محتوى مدفوع
محتوى مدفوع
مقالات ورأي

الجامعة اللبنانية والتعلّم المستدام: الرغيف وماء الحياة

التسارع في التقدّم العلمي والتكنولوجي، والانتقال المتنامي إلى العالم الرقمي، باتا يفرضان إيقاعات مختلفة نوعيّة وسرعة وكثافة وعمقا في التجدّد والتطوّر المعرفي، وفي الاستراتيجيا والتخطيط ، وفي الجهوزية والمتابعة.

ويبدو أنّ طريقاً يفرض نفسه ضرورة مُستجدّة إلى جانب البحث العلمي: التعلّم المستدام . مَن لا يجاري المكتشفات والتطور الرقمي والتقدّم المعرفي يحكم على نفسه بتخلّف أو عزلة أو خروجٍ من مهنته ومن سوق العمل في بعض الحالات. الكلام يصحّ في أغلب المهن، من الهندسة إلى الطب والمحاسبة والإخراج والتعليم (بشكل خاص التعليم عن بعد). إلزاميّة مجاراة التطور في الرقمنة تصحّ في صناعة الطائرات، السفن، المطابع، الأدوية، التجهيزات الطبية، الحواسيب، الهواتف الخلوية، كما في الزراعة والسياحة والإدارة والتربية والإعلام والفنون والطاقة النظيفة والنانوتكنولوجي، وصناعة الإبداع… التطوّر العلمي والرقمنة المتسارعة يجعلان مهناً تخبو أو تنقرض، فيكون على أهلها التحوّل إلى مهن جديدة؛ ويفرض على أكثرهم عودة إلى تعلّم جزئي أو كامل من أجل انخراطهم مجدّدا في سوق العمل. عليك، وفي أيّ عمر أو موقع كنت، أن تطوّر باستمرار جهوزيتك ومعارفك وإحاطتك بالتقنيات.

المهن تفرض على أصحابها تجدّدا معرفيا سريعا ومستداما، ولعلّ أكثرها تطلبا هي المهن الرقميّةُ الأدوات. والقاعدة الحاسمة في عالم الأعمال: كُن في الطليعة بأدواتك تكن في طليعة سوق الإنتاج والعمل، تأخر عن الرّكب العلمي والرقمنة يفوتك القطار.

لذلك، بات على نظامنا التربوي أن يبني إلى جانب المسارات الأكاديمية (المميّزة في زمن لبنان مدرسة وجامعة الشرق) مسارات رديفة موثوقة، تسمح بالتعلّم المستدام بما يعطي التحصيل قيمة ومصداقيّة ومرجعيّة موثوقة.

نتوجّه بكلامنا إلى المشرّعين (الرؤيويين منهم)، ووزارة التربية، والمدرسة والجامعة، وكلامنا يعني أغلب خريجي الجامعات وأساتذتها كما المعلِّمين في المدارس. الجامعات الراقية والرائدة تُخصّص أموالا طائلة لبحث مُلزِم لأساتذتها ليستمروا بالنمو التربوي عبر صناعة المعرفة والنتاجات الإبداعية والبحثية وتطوير ذاتهم وأدواتهم. الخبراء من الأكاديميين في العالم يدركون أنّ التوقف عن الإنتاجية العلمية بدء نكوص واستنقاع وإعلان صامت لتخلّف آت. بعض المؤسسات والدّول لا تعترف بحقك بممارسة مهنة إن مضت خمس سنوات على تخرّجك ولم تبدأ العمل، فتشترط عليك إنجاز مقررات إضافية، لتتعاقد معك.

بعض السفارات والدّول لا تعترف بامتحان لغة تمّ اجتيازه وإنْ بتميّز (مثلاً: IELTS, DELF, TELK, SAT,) بعد مضي سنتين على النجاح، لأنّ متغيرات قد تطرأ على امتلاكك لهذه اللغة. الإدارات العامّة الكبرى تفرض تدريبا مستمرا لموظفيها يضعهم في مواكبة التطور التكنولوجي الحاصل. كتساب المهارات الجديدة وتطوير المعارف للتكيّف مع سوق العمل الجديد حتميّة وبشكل رئيس في مجال التعليم.

وزارة التربية معنيّة بما نطرح. الجامعات العريقة والموثوقة معنية ، والمعنيّة الرئيسة بالطرح هي الجامعة اللبنانية نظرا لمصداقيتها العلمية وموقعها الوطني، ونظرا للعدد الكبير من خرّيجيها الذين يحتاجون إلى خدمات التعلّم المستمر، ويلجأون تحصيلاً له إلى مراكز تدريب حينا، وإلى تعلّم عن بُعد حيناً آخر.

التعليم في مختلف مراحله معنيّ برصدٍ عميق ومستمر لتطوّر المهن واحتياجاتها من أجل تطويراستباقي ملائم للمناهج ووضع الهندسات التربوية المستقبلية. نريد الجامعة اللبنانية حاضنة ورافعة لتطوّر الرّكب التربوي وتأمين المرجعيّة الموثوقة للتعلّم المستمر لخريجيها ( كما لكل المواطنين والقادمين إليها) النموالمعرفي المستمر لأساتذتها (عبر فتح المسارات وتحفيز العملية البحثية، والحضور على المستوى الدولي في مختبرات الأبحاث، انتهاء بتشبيك فيما بين الأساتذة قد يصل متابعة مقررات في اختصاصات أُخرى (ولهذا النشاط إيجابيات عميقة المردود على المستوى المهني، المعرفي، الإنمائي، النفسي…)، أو في مراكز بحثية محلية وأو عالمية. ومن علامات النضج الأكاديميّ متابعة صفوف من موقع الباحث-المتعلّم من دون “إتيكيت” وحاجة إلى عبارات من نوع: شراكة بحثية، وورشة عمل. السلطة التشريعية مدعوة إلى بحث جاد من أجل تشريع عصري يخدم الغاية المشار إليها، وإيجاد محفّزات وسبل وأنظمة تخدم البحث والتطوير تلبية لحاجة المهن والمجتمع إلى التعلّم المستمر. والمدخل الآمن والموثوق هو الجامعة اللبنانية بتزامن مع النهوض بالمدرسة الرسمية وإخراج التعليم المهني من مآزق كثيرة تكبّله.

موجبات التشريع تنطلق من الواقع والحاجات التي يفرضها ويمكن البناء من أجلها على التالي: سيحتاج خريج من كلية الزراعة، أو الفنون (بشكل خاص السينما والغرافيك ديزاين)، أو الهندسة، أو العلوم، أو التكنولوجيا، أو غيرها، لتحديث معارفه أو لمتابعة مقرّرات مستجدة أدخلتها الكلية المعنية إلى مناهجها (نظرا للمكتشفات العلمية). فالجامعة اللبنانية تُطوّر مناهجها باستمرار، كما أنّ مناهج أي اختصاص تخضع إلى تطوير كل ثلاث سنوات في أبعد تقدير؛ ويتم تعديل في المقررات بشكل سنوي، حيث تتغير في المضمون بنسبة قد تبلغ الثلاثين بالمائة كل عام مواكبة للمستجدات العلمية.

أمام هذه الحركة الواجبة، وهي مؤشّر صحّي تربويا، يكون المتخرّج حديثا أكثر إحاطة بالمستجدات العلمية من سابقيه، ومع مرور السنوات، تتسع الهوة بين التطور العلمي الحاصل وبين واقع الجهوزية للخريج نفسه، فيكون عليه أن يجدد نفسه في اختصاصه ومهنته، أو أنّه سيذهب إلى اختصاص جديد. في الحالين من واجب الدولة والجامعة أن تؤمّن فرص التعلّم المستدام. القطاع الخاص يفيد من هذه الفجوة المعرفية الناشئة عن تطور المعارف والتكنولوجيا، ويستثمر فيها ويسوّق ورش عمل وتدريب، بعض ذاك التدريب جدّي وراق وأغلبه بما نسمع تجاري استغلالي. فوجبت حماية المواطن صاحب المهنة كما المواطن المستفيد من صاحب المهنة؛ وأبرز خطوط الدفاع عن المواطن وحماية حقّ التعلّم هي الجامعة الوطنية. ممّا يجعل حمايتها (مع المدرسة الرسمية) وعصرنة القوانين تمهيداً لعصرنة التربية شكلا ومضمونا بأهمّيّة الواجب المقدّس، وإلا خسرنا مع تقدّم العالم الرقمي والميتافيرس، ليس فقط الدور إنّما الوجود.

هناك ضرورة على مستوى التخطيط لمنع اتساع الهوة بين ما يجب أن يكون وبين ما هو الحال عليه في الواقع على مستوى التعليم العالي. هناك ضرورة إلى تشريع يسمح بأن تفتح الجامعة اللبنانية أبوابها أمام التعلّم المستدام (في صيغة التعلّم القصير الأمد لمواد أو مقرّرات محدّدة). الجامعة اللبنانية مدعوّة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، إلى فتح مسارات تسمح بتلبية الحاجات المرتبطة بالتعلّم المستمر بشكل لا يؤثر على الحياة الأكاديمية للطلاب النظاميين، على أن تكون متابعة وإتمام هذه المقررات أو التطبيقات أو الورش التأهيلية (في حال اعتماد هذه التسمية) مثبتةً بمرجعية قانونية وإدارية وتُعطى بها إفادة رسمية معترف بها كما شهادات الجامعة.

هكذا مسار تلبية للحاجة المُلحّة، يقتضي قرارات على مستوى مجلس الجامعة والتشريع العام، بما يسمح بالتسجيل ودفع الرسوم بمرونة في كل من الفصول الدراسية، وفي أي وقت تقرره الكليات أو الجامعة لفتح مقررات أو ورش تأهيل للخريجين أو لأهل المهن المختلفة. كما وجب أن يلحظ التشريع حقّ الخريجين في الكليات المغلقة بالعودة إلى متابعة مقررات معينة تخدمهم في تطوير أهليّتهم في مهنهم.

لذلك، ومع وزير للتربية متطلّع بحسّ مرهف حيال النهوض التربوي، ورئيس للجامعة اللبنانية صاحب مصداقية وطموحات بأرقى دور وموقع للجامعة، يتوجب الإسراع في تشريع ينسجم مع الضرورات بما يؤكّد جودة التعلّم والتنمية التربوية المستدامة. فتح الجامعة اللبنانية أمام الخريجين للعودة إليها تطويرا للذات واجب استجابة لما يفرضه الانفجار المعرفي والعلمي. ووجب ألا يحول اقتصاد ولا سياسة بين المؤمنين بالجامعة الوطنية ودورها في العمل الريادي والاستشرافي والرؤيوي وبين العصرنة المستدامة للجامعة بما يتماشى مع التطور العلمي المتسارع، وبما يتخطى بإبداعيّة وإرادة الأوضاع الصعبة للبلاد.

دور الجامعة على المستوى الوطني والعالمي يفرض تطويرا لبنيتها ومرافقها وتلبية حاجاتها ورفع موازنتها والتشريع بما يسمح أن تكون منتِجة حتى اكتفاء ذاتي (وذلك ممكن، والمقترحات موجودة) مع بقائها في إطار القطاع العام، وتأمينها التفرّغ الكامل لجميع كادراتها التعليمية والبحثية والتدريبية والإدارية. وفي هذا الإطار يندرج التفرّغ الذي هو في الأساس تقرّغ نفسي، وظروف ملائمة لحياة كريمة، فتسهر الجامعة باستمرار على تأمين الملاك والتفرّغ لأساتذتها وكل متعاقد معها وكل مدرّب وموظّف فيها، وتسهر على التطوير المستدام للإدارة والقوانين ولا تُفرّط بأساتذتها تحت عنوان التقاعد.

مفهوم التقاعد في العمل الأكاديمي مسرب آخر ومفهوم ضد المتقاعد والمؤسسة في آن. أخذ التقاعد مفهوما مسيئا لحقوق الإنسان في أثره على بعض المتقاعدين أنفسهم على المستوى النفسي والمعنوي والإنتاجي العلمي. بات علينا أن نُخرج مفهوم التقاعد من مفهوم انتظار الرحيل وإلغاء الدور والإنتاجية، فنوجد له مفردة أُخرى تحمل فلسفة جديدة بمعنى عمر الإنتاج النوعي في حياة الإنسان. لقد أثبتت دراسات علمية أن أفضل نتاج نوعي لكبار الناجحين اليوم عالميا هو بالنسبة الأعلى لأشخاص في العقد السابع والثامن والتاسع من العمر.

لذا وجب إلغاء التقاعد القسري، وحضن كلّ مَن لا معوّق لديه من الباحثين من أساتذة الجامعة وأصحاب الخبرة العالية وأصحاب النتاج العلمي المتميز. أمّا النغمة الملعوبة بالإفساح في المجال للأجيال الصاعدة فما ذاك إلّا تبييت لغايات؛ الأجيال تتكامل، والأجيال تتعاون والتمييز بسبب الأعمار يناهض حقوق الإنسان، ونهاياته قد تكون مُكلفة جدا.

الأسف كبير أن يبقى التشريع في التبعية القسرية وفي موقع رد الفعل بدلا من أن يكون في موقع الفعل الاستباقي. مدعوون اليوم إلى تشريع برؤية معاصرة تطال الفضاءات المعمارية والأبنية والنفوس والمعارف وليس فقط التجهيزات. التعليم الرقمي بات يفرض تدريبا للمعلمات والمعلمين على ما يتلاءم مع الرؤى التربوية الحديثة انتقالا من التعليم إلى التعلم ومن التربية بمفهومها التقليدي (التلقيني) إلى التربية الإبداعية. علّ وعي المواطنة يسكن العقول والقلوب والأفعال، فيختار المواطن باستمرار ممثليه في مجالس التشريع من الرؤيويين في مجال التربية؛ فلا تبقى البلاد في حال تشريع الحد الأدنى مع مشرّعين لا ينتمون علميا إلى هذا العصر. تبدأ النهضة من المدرسة والجامعة وتستمرّ بهما، وبالثقافة والفنون تُبنى حضارة ومستقبل الشعوب.

أمّا العنوان فيبقى: الجامعة اللبنانية واستقلاليتها وظروف تطويرها والتفرّغ الكامل لأساتذتها ومدربيها وموظفيها وإقرار ملفاتها. الجامعة اللبنانية ضرورة وجودية للوطن، فارصدوا لها الموازنات الكافية، واحموا صندوق تعاضد أساتذتها. الجامعة الوطنية أولوية بمثابة الرغيف، وعصرنتها وفتحها للتعلّم المستدام بمثابة ماء الحياة. والنأي بالتعلّم والتعليم عن السياسة وعن الإتجار بالمعرفة ضابط إيقاع للرقيّ والارتقاء. المعرفة حقّ مقدّس.

نعم! بين الجامعة اللبنانية والتعلّم المستدام ما بين الرغيف وماء الحياة. بين الجامعة اللبنانية والوطن ما بين الكرامة والوجود الفاعل، ثمانون ألف طالب ينتظرون بقلق، أعطوا أساتذتها ملاكهم وتفرّغهم والتزموا بأولويات تسمح بعودة الماء والحياة والرغيف إلى قلب الوطن وشبابه. ما تختلفون عليه في السياسة (ملف العمداء) فليؤجل.

The post الجامعة اللبنانية والتعلّم المستدام: الرغيف وماء الحياة appeared first on LebanonFiles.

رابط الخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

الموقع :www.lebanonfiles.com

محتوى مدفوع
محتوى مدفوع

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: