محتوى مدفوع
محتوى مدفوع
اقتصاد ومال

عندما تنقلب الحياة رأساً على عقب: الأهالي عاجزون أمام طلبات أولادهم

«أحلى سنين عمري عم بتضيع منّي»، هكذا تعبّر زينة، ابنة الستة عشر عاماً، عن قلقها من الوضع الحالي. تعِبَت من كلّ ما استجدّ في حياتها في السنتين الأخيرتين اللّتين أطاحتا بكلّ نشاطاتها وغيّرتا أسلوب حياتها. هي التي اعتادت على أن يتأمّن لها كل ما تطلبه باتت تنزعج من تعليقات أهلها «تعبت من الشعارات التي يردّدونها ومن ملاحظاتهم المتكرّرة عن المصروف وتوفير الكهرباء والميّ…». لا تخفي أنها «فكّرت في الانتحار» بعدما باتت تمضي معظم وقتها في غرفتها الخاصة، معربة عن حاجتها إلى «علاج نفسي فالضغط الذي تشعر به بات ثقيلاً عليّ».

تشرح أكثر عن تفاصيل حياتها التي تبدّلت، بل انقلبت رأساً على عقب. من أبسط التبدّلات التي تتحدّث عنها ما فرضه عليها الغلاء المعيشي، فقد أصبحت تخصّص مرّة في الشهر فقط للخروج مع الأصدقاء والترفيه، بينما كانت سابقاً تقصد معهم المطعم مرّتين في الأسبوع. حتّى هذه النقطة تزعجها، فهي تواجه مشكلة ارتفاع أسعار الوجبات الغذائية التي لم تعد تلائم إمكاناتها المادية. صار صحن البطاطا خيارها الأوفر والأوحد في المطعم فيما يطلب رفاقها، الذين لا تزال أوضاعهم المادية جيّدة، أنواعاً مختلفة من الوجبات بغضّ النظر عن أسعارها.

عجز الأهل
على الرغم من أن الأهل يخوضون الأزمات نفسها ولكنّهم يناضلون يومياً سعياً منهم لإيجاد حلول بديلة للتعويض على أبنائهم، إنّما لا ينجحون في ذلك دائماً.
تؤكد ليلى أنها كانت تخصّص وزوجها أياماً للسياحة الداخليّة لأولادهما، غير أن ذلك لم يعد ممكناً مع ارتفاع أسعار المحروقات والمأكولات. «الرحلة الواحدة باتت تتطلّب راتباً بأكمله، وقيمة فاتورة المطعم يمكن أن تُطعمنا لمدّة أسبوع». ابنة ليلى، الحاصلة على منحة دراسيّة في مدرسة خاصة، تلاحظ أن رفاقها الميسورين لا تزال مشاريعهم قائمة كما كانت ويسافرون مع أهلهم، وسؤالها اليومي لوالدتها: «ليش نحنا لأ؟»
تقلّبات حصلت أيضاً في حياة رنا (معلّمة في الدوام الصباحي) التي تتحدّث عن اضطرارها إلى العمل في الدوام المسائي أيضاً لكي تتمكّن مع زوجها من الحفاظ على مستوى معيشي لائق، وعلى الرغم من ذلك تراجع وضعهما المادي. لرنا ولدان (15 عاماً و13 عاماً)، «تبدأ طلباتهما من البيت للموافقة على ما يمكن شراؤه، كي لا نتعرّض للإحراج في السوبرماركت». وتتذكّر أحد المواقف التي حصلت معها، حين قالت لها ابنتها «لا مشكلة لدى عائلة صديقتي في تأمين البنزين فقد رأيت كلّ فرد منهم يستخدم سيارته الخاصة». في المقابل «نحن نحاول أن تكون مشاويرنا الضرورية دفعة واحدة للاقتصاد في مصروف البنزين، لذلك ظنّت ابنتي أن مشكلة الوقود تطاولنا فقط!»

العدالة بين الأولاد؟
تجارب ليست ببعيدة تعيشها هالا مع ابنتيْها، ففي كل مرّة ترفض طلباتهما تضطرّ إلى اختلاق حجج «أحياناً نتذرّع بانتشار كورونا وأحياناً بانقطاع البنزين». رغم أن ابنتيْها في سنّ الرشد، لكنّها تتحاشى الذهاب معهما إلى السوق «حتى ما يستحلوا، أبسط التفاصيل تغيّرت في حياتنا، إذ لم نعد نشتري الماركات نفسها، مثلاً استبدلنا نوع الشامبو وأنواع الشوكولا بأخرى أقلّ كلفة».
اللافت والموجع في آن أن الأزمة الاقتصادية لم تُحدث شرخاً في طرق عيش العائلات المنتمية إلى طبقات اجتماعية مختلفة فقط، بل حتى بين أساليب عيش الإخوة في البيت الواحد. تشير هالا، التي تراجع وضعها المادي من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة، إلى أنها باتت تشعر بالتقصير في تلبية طلبات ابنتيْها «لم أتمكّن من أن أعامل ابنتيَّ بمساواة، كنت قادرة قبل سنوات على دفع كلفة كلّ النشاطات التي تنظمها مدرسة ابنتي الكبرى، لكني غير قادرة على أن أعامل شقيقتها بالطريقة نفسها».
أمام هذا الواقع الذي يضع الأهل والأولاد معاً في موقف صعب، لا شكّ في أنّ أعداد الحالات التي تحتاج إلى دعم أو علاج نفسي ازدادت في السنوات الأخيرة، فكيف يمكن تخطّي المرحلة بأقلّ أضرار نفسيّة؟

اشرحوا لأولادكم
يشير المعالج النفسي إيلي غزال إلى ضرورة أن يتفهّم الأهل أولاً التغيّرات التي حصلت في حياتهم وأن يكونوا قادرين على التعامل معها، بحيث لا يشكّل الوضع الاقتصادي دافعاً للعنف الجسدي أو اللفظي على الأولاد. بعدها، يتم الانتقال إلى مرحلة شرح هذه التغييرات بطريقة مبسّطة وفق الأعمار. ويؤكدّ غزال على أهميّة الانتباه إلى التعابير المستخدمة والابتعاد عن وصف الوضع بأنه كارثيّ، بل يجب إعطاء الأمل بأنّ هناك حلاً لهذه الأزمة الموقّتة.

كما يوضح غزال أنّه من المهمّ تفنيد الأولويّات في الحياة، والتفسير للأولاد أنّ الضائقة الماديّة تتطلّب صرف كميّة محدّدة من الأموال وفق هذه الأولويات. كذلك، يمكن طمأنة الأولاد إلى أنّ المتطلّبات الأساسيّة ستبقى موجودة، إنما الكماليّات قد تتقلّص. ويشدّد على أنّه «من المهمّ جداً ألّا يشعر الولد بأنه عبء على أهله ويظنّ أنه سبب غضبهم، لذا يتوجّب على الأهل أن يكونوا حاضرين في حياة أبنائهم وأن يستمعوا إليهم بحيث يشكّل هذا الوضع الاقتصادي الصعب حافزاً للتقريب بينهم بمعنى آخر».

يطمئن غزال الأهل الذين لم يتمكّنوا من تأمين الكماليّات لأولادهم بالقول إنّ «عدم حصولهم عليها يمكن أن يقوّي شخصيّتهم، شرط تأمين الحاجات الأساسية التي لا تقتصر على الطبابة والعلم وغيرهما، بل تشمل عاطفة الأهل والتربية السليمة».
في خضمّ الضغوطات، قد لا ينتبه الأهل إلى أهميّة المتابعة النفسيّة لأبنائهم من قبل اختصاصيين، متى تصبح المعالجة النفسية حاجة ملحّة؟
«أي تغيّر جذري في حياة الأولاد ينذر بوجوب مراجعة طبيب نفسي». يشرح غزال أن هناك تغيّرات عدّة قد تحدث للولد وتشكّل إشارات لأهله، من بينها: تراجع المستوى الدراسي، تصرّفات سلبيّة، عنف جسدي أو لفظي، تراجع ساعات النوم أو الإفراط في النوم، تبدّل ملحوظ في كميّة الغذاء، الابتعاد عن النشاطات التي اعتاد القيام بها، عدم الشعور بالحماسة تجاه أي نشاط، الانعزال والميول إلى الوحدة، والأفكار والعبارات السلبيّة.

فانيسا مرعي – الاخبار

رابط الخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

الموقع :www.lebanonfiles.com

محتوى مدفوع
محتوى مدفوع

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: