الهجوم على الدوحة: الخليج بين تهديدات إيران وعدوان إسرائيل

في التاسع من أيلول تلقّت العاصمة القطرية ضربة إسرائيلية استهدفت قياديين من حركة حماس يقيمون فيها. لم يكن الهجوم مجرد عملية عسكرية عابرة، بل تطورًا غير مسبوق في معادلة الصراع، إذ امتد للمرة الأولى إلى قلب الخليج الذي ظلّ لعقود محاطًا بمظلّة أميركية اعتُبرت خطًا أحمر لأي اعتداء خارجي. ردّ الدوحة جاء غاضبًا، واصفًا العملية بأنها إرهاب دولة يهدد أمن المنطقة بأسرها، فيما ظهر بنيامين نتنياهو متحديًا ومهددًا بتكرار الضربة ما دام وجود حماس قائمًا على أراضي قطر.
من أرامكو إلى أبراهام: سياق أوسع
غير أن الحادث لم يكن مجرد استهداف أمني، بل رسالة سياسية مركبة. فالهجوم على الدوحة كشف ضعف شبكة الحماية الأميركية حين يصل العدوان إلى قلب الخليج ودوله النفطية. ومع أن الاعتداءات الإيرانية على منشآت أرامكو في البقيق عام 2019 لم تدفع واشنطن إلى رد عسكري، بل خرج ترامب حينها ليقول إن الهجوم كان على السعودية وليس على الولايات المتحدة، مؤكداً أنه غير متعجل في الرد ويريد التأكد من المسؤولية، وأنه يفضل تجنب الحرب مع إيران وإن كان مستعداً إذا لزم الأمر. وفي الوقت نفسه غرّد عبر تويتر مستخدماً العبارة العسكرية الشهيرة “locked and loaded” أي “مستعدون تماماً للرد” إذا اقتضت الحاجة، في إشارة إلى جاهزية عسكرية أميركية قد تُستخدم. لكنه عاد وأوضح أن واشنطن لن تتحرك إلا بعد تحديد المسؤول بدقة، مفضلاً خيار العقوبات والضغوط الاقتصادية على الانخراط في مواجهة مباشرة. هذه الازدواجية، بين التهديد العلني والتردد العملي، تركت أثرها العميق في الذاكرة الخليجية.
الهجوم على أرامكو عطّل خمسة في المئة من إمدادات النفط العالمية، وأبرز هشاشة البنية التحتية النفطية أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة. وبدلاً من أن يدفع الولايات المتحدة إلى تعزيز التزاماتها الدفاعية، بدا أن واشنطن تفضّل الانكفاء وتحديد خطوطها الحمراء عند حدود مصالحها المباشرة. من هنا جاء البحث الخليجي عن ضمانات بديلة، سواء عبر شراء المزيد من السلاح الأميركي أو المطالبة بمعاهدة دفاع مشترك، أو حتى فتح قنوات جديدة مع إسرائيل نفسها. وفي أيلول 2020، بعد عام واحد فقط من الهجوم، وقّعت الإمارات والبحرين اتفاقات أبراهام في البيت الأبيض برعاية ترامب، لتنضم إليهما لاحقاً السودان والمغرب.
إسرائيل تختبر الحليف الأميركي
لكن عدوان الدوحة اليوم يطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا لو كان الخطر آتياً من الحليف الأول لواشنطن والمحمية الأميركية الأولى؟ الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة الوسطى الأميركية، المعين حديثًا عبّر في زيارته الأولى، مطلع شهر أيلول الجاري، لإسرائيل عن التزام لا يتزعزع بأمنها، مشدداً على التعاون العملياتي معها في مجالات الدفاع الجوي والبحري وتبادل المعلومات. القيادة الوسطى التي يشمل نطاقها معظم دول الشرق الأوسط والخليج، لطالما اعتُبرت المظلّة الأميركية التي تمنح تلك الدول إحساساً بالحماية. غير أن ما جرى في الدوحة أظهر أن هذه المظلّة قد تتحول إلى غطاء لإسرائيل كي تتحرك بحرية أكبر، حتى ولو كان ذلك على حساب أمن حليف استراتيجي كقطر.
إسرائيل التي نفذت عمليات سرية في عواصم عدة من عمّان وبيروت ودمشق إلى دبي وتونس وكوالالمبور، اختارت هذه المرة أن تضرب بصورة استعراضية وعلنية في قلب عاصمة خليجية. الرسالة المقصودة كانت واضحة: إسرائيل لا تعبأ بالتحالفات أو الشراكات، وهي قادرة على الوصول إلى أي مكان في المنطقة مهما كان موقعه السياسي، مطبّعاً أو مسالماً أو وسيطاً أو حتى صديقاً للولايات المتحدة.
مراجعة أوهام الحماية والتطبيع
منذ الحرب العالمية الثانية، لم يشهد النظام الدولي فجوراً بهذا الشكل. مرجعية الأمم المتحدة انهارت، والقانون الدولي تحوّل إلى ورق بلا قيمة. وإذا كانت الاعتداءات السابقة في غزة وسوريا ولبنان قد واجهت بيانات استنكار متكررة، فإن استهداف الدوحة هذه المرة زعزع الثقة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين. الضربة أصابت ركيزتين في الصميم: أمن الممرات النفطية والغازية الذي شكّل خطاً أحمر في الاستراتيجية الغربية لعقود، ومفهوم الحماية الأميركية الذي طالما اعتُبر ضمانة لبقاء الأنظمة في وجه خصومها، فإذا بهذه الحماية تتعرض للاختبار أمام إسرائيل نفسها.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق باتفاقات أبراهام التي رُوِّج لها كبوابة لإدماج إسرائيل في المنطقة وضمان استقرارها. إذا كانت إسرائيل لا تتورع عن قصف دولة خليجية مثل قطر، وهي أصلاً ليست من الموقعين، فكيف يمكن للإمارات أو البحرين أو المغرب أن تطمئن إلى أن التطبيع يحميها من استهداف مماثل؟ الواقع أن ما جرى في الدوحة يهزّ الأساس الذي بُنيت عليه الاتفاقات، ويكشف أن إسرائيل تتصرف كقوة فوق القوانين وفوق الحلفاء، وأنها ترى في التطبيع مجرد غطاء لمزيد من البطش وفرض الشروط. وإذا كان الهدف المعلن هو طمأنة الشعوب والأنظمة إلى أن إسرائيل شريك يمكن الاعتماد عليه، فإنّ الرسالة التي خرجت من سماء الدوحة تقول العكس تماماً: لا شريك ولا ضمانات، بل تهديد مستمر قد يطال أي عاصمة في أي لحظة.
متى نغضب؟
من هنا تبدو الحاجة إلى مراجعة شجاعة لهذه الاتفاقات، لا باعتبارها إنجازاً دبلوماسياً كما روّجت له واشنطن وتل أبيب، بل باعتبارها خطأ استراتيجياً يعرّي الدول الموقعة بدل أن يحميها. مراجعة تضع المصالح الوطنية فوق أوهام الاستقرار المستورد، وتستعيد الحد الأدنى من الكرامة والسيادة في وجه من يريد تحويل المنطقة إلى ساحة دائمة للابتزاز والعدوان.
قد يكون الخوف أحد الأهداف التي سعى نتنياهو إلى تكريسه من خلال هذه العملية، والخوف يبرر الخضوع أحياناً، لكن شعوراً آخر يتمدد في الوجدان العربي والإسلامي هو الغضب. والغضب إذا انفجر لا يضبطه أحد، ومنه تبدأ التحولات الكبرى. فإذا لم يكن استهداف غزة، أو تدمير القرى جنوب لبنان، أو الاعتداء على دمشق، أو اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية، أو ضرب عاصمة خليجية كبرى، أو نسف حجج اتفاقات أبراهام، كافياً لإشعال الغضب، فمتى نغضب؟
The post الهجوم على الدوحة: الخليج بين تهديدات إيران وعدوان إسرائيل appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.