اقتصاد

أسواق النفط: ماذا بعد إقفال مضيق هرمز؟


نقلت وكالة “تسنيم للأنباء” الإيرانيّة يوم السبت، عن الحرس الثوري، إشارته إلى أنّ مضيق هرمز قد “أُغلق بحكم الأمر الواقع”، محذّراً سفنًا عدّة من العبور في المنطقة، بالنظر إلى “الأجواء غير الآمنة” المحيطة به. وبهذا الشكل، تكون إيران قد نفّذت تهديداتها السابقة، التي لوّحت فيها بإغلاق المضيق في حال تعرّض النظام الإيراني لهجوم أميركي. وبطبيعة الحال، سيكون لهذا التطوّر أثره الكثير على توازنات أسواق النفط الدوليّة. فمن خلال مضيق هرمز وحده، يمر يوميًا 20 مليون برميل من النفط الخام، أي ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالميّة. كما يمرّ من خلال تلك المنطقة ثُلث إمدادات العالم من الغاز المُسال.

ومع أهميّة هذه التطوّرات، من المهم الإشارة إلى أنّ دول الخليج العربي تتفاوت في درجة تأثّرها بإقفال مضيق هرمز، وتحديدًا لجهة قدرتها على تصدير النفط والغاز. فبعض دول الخليج، مثل العراق والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة، تمكّنت -بفعل موقعها الجغرافي- من الاستثمار في خطوط إمداد بديلة، بما يسمح بتصدير أجزاء (ولو محدودة) من إنتاجها البترولي، من دون المرور بمضيق هرمز. وكان الاستثمار في تلك الخطوط خيارًا استراتيجيًا واعيًا وهادفًا، لتنويع خطوط الإمداد وتقليص الانكشاف على مخاطر أمن الخليج العربي. لكن في المقابل، ثمّة دول أخرى لم يسمح لها موقعها الجغرافي بتنفيذ مشاريع من هذا النوع، وظلّت خيارات التصدير لديها محكومة بمعادلات أمن الخليج وسلامة المرور بمضيق هرمز.

فكيف ستنعكس الأحداث على الواقع النفطي في كلّ من دول الخليج؟

السعوديّة والإمارات والعراق: الخطوط البديلة

تمتلك المملكة العربيّة السعوديّة نظام الأنابيب المعروف بـ “شرق-غرب بترولاين”، الذي يربط حقول النفط في شرق المملكة وغربها بالبحر الأحمر. وتشير التقديرات إلى أنّ نظام الأنابيب هذا يمتلك سعة تقريبيّة تلامس الـ 5 ملايين برميل من النفط يوميًا، ما يسمح بتصدير هذه القيمة من المواد البتروليّة من خلال البحر الأحمر، ومن دون العبور بمضيق هرمز. وخلال شهر كانون الثاني الماضي، كان متوسّط إنتاج المملكة قد لامس حدود الـ 10 ملايين برميل من النفط يوميًا، ما يعني أن السعوديّة قادرة نظريًا على تصدير نصف إنتاجها النفطي، من دون التأثّر بالأحداث الراهنة في منطقة الخليج العربي.

أمّا الإمارات العربيّة المتحدة، فتمتلك خط أنابيب “حبشان-الفجيرة ADCOP”، الذي يربط حقول النفط في إمارة أبوظبي بميناء الفجيرة المُطل على خليج عُمان، متجاوزًا بذلك مضيق هرمز. وتبلغ سعة هذا الخط قرابة 1.5 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يشكّل 44 بالمئة من إجمالي الإنتاج الإماراتي النفطي، البالغ 3.39 مليون برميل من النفط يوميًا. مع الإشارة إلى أنّ المنفعة الاستراتيجيّة شبه الوحيدة لهذا الخط هي تنويع خطوط التصدير الإماراتيّة، وإبعاد جزء منها عن مخاطر إقفال مضيق هرمز.

في المقابل، يمتلك العراق إنتاجًا نفطياً يقارب حدود الـ 4.03 مليون برميل من النفط يوميًا. ومن الناحية النظريّة، تستطيع بغداد تصدير نحو 40 بالمئة من هذا الإنتاج عبر خط أنابيب “كركوك-جيحان”، الذي يربط شمال العراق بميناء جيحان التركي، المطل على البحر الأبيض المتوسّط. لكن من الناحية العمليّة، ظلّ هذا الخط خارج الخدمة لفترات طويلة، حتّى الربع الأخير من العام الماضي، بسبب خلافات قانونيّة ما بين بغداد وأنقرة. وبعد تشغيل الخط، لم يتم استئناف التصدير إلا بكميات قليلة، لا تتجاوز الـ 0.23 مليون برميل يوميًا. ومع ذلك، بإمكان العراق العمل على زيادة الكميات التي يجري ضخها، بالاتفاق مع تركيا، في حال طال الأزمة الراهنة.

دول لا تمتلك خيارات أخرى

في المقابل، ثمّة دول لا تمتلك خيارات بعيدة عن معادلة الأمن في مضيق هرمز أو منطقة الخليج. فالكويت مثلًا، تمتلك إنتاجًا نفطيًا يقارب الـ 2.6 مليون برميل في اليوم، أي ما يوازي 9 بالمئة من إجمالي إنتاج دول تحالف أوبك. ومجمل هذا الإنتاج، يتم تصديره بحرًا عبر مياه الخليج العربي، ثم مضيق هرمز.

من ناحية أخرى، تلعب قطر دورًا مركزيًا في سوق الغاز المُسال، حيث تُعتبر البلاد مصدرًا لـ 19 بالمئة من إمدادات الغاز المُسال العالميّة، ما يجعلها ثالث أكبر منتج لهذه المادّة بعد كل من الولايات المتحدة وأستراليا. وتمامًا كحال الكويت، لا تمتلك قطر خيارات لتصدير غازها المُسال، من دون العبور عبر مضيق هرمز. غير أنّ العلامة الفارقة بالنسبة لقطر تبقى شراكتها مع إيران في حقل الشمال، الذي يُعتبر أكبر حقل للغاز غير المُصاحب في العالم، وهو ما قد تأخذه إيران بعين الاعتبار إذا أرادت عرقلة الإمدادات في منطقة الخليج العربي.

وعلى النحو نفسه، تبرز البحرين بإنتاجها الأكثر محدوديّة، مقارنة بسائر دول الخليج، والبالغ نحو 0.18 مليون برميل من النفط يوميًا. ومجمل هذا الإنتاج، تمامًا كحال الكويت وقطر، يمر عبر مضيق هرمز. مع الإشارة إلى أنّ البحرين كانت تستفيد كذلك من نشاطها في مجال تكرير النفط السعودي، الذي يمر باتجاهها عبر الأنابيب. وفي حال تضرّر خطوط الإمداد لفترة معتبرة، قد لا تتمكن البحرين من تصدير إنتاجها البترولي المُكرّر.

في خلاصة الأمر، من المفترض أن تبيّن الساعات المقبلة الترجمة العمليّة لإغلاق مضيق هرمز، ما يشمل إمكانيّة الاتفاق على تحييد صادرات النفط والغاز العربيّة والإيرانيّة على حدٍ سواء عن هذا الإغلاق. مع الإشارة إلى أنّ قرارات شركات التأمين على الشحن البحري ستلعب دورًا مؤثّرًا على خطوط إمداد النفط والغاز، إذ إنّ امتناعها عن عقد بوالص التأمين على أعمال الشحن في منطقة الخليج سيؤدّي حكمًا إلى عرقلة خطوط الإمداد ووقف أعمال التصدير.

The post أسواق النفط: ماذا بعد إقفال مضيق هرمز؟ appeared first on Lebanon Economy.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى