محتوى مدفوع
محتوى مدفوع
مقالات ورأي

"عمق الحفرة يا حفار"

عندما سقطت عربة رئيس الندوة اللبنانية ميشال أسمر( 1914- 1984) في حفرة قُتل فيها اهتزّ لبنان السياسي والثقافي والعديد من كبار مثقفي العرب وفرنسا ومفكريهم على هذا الحدث. كان الرجل قد أسّس “الندوة اللبنانية” عام 1946 بصفتها قاعة محاضرات تجمع بين بيروتَين أو عاصمتين شرقية وغربية ولطالما حاضر فيها لفيف من النخب اللبنانية والعربية والعالمية في كلّ اسبوع من طراز تقي الدين الصلح وكمال جنبلاط وشارل مالك وأدونيس وناظم حكمت ورينيه حبشي وغيرهم كثر بما جعلها “دولة المفكرين والمثقفين” والجامعيين الباحثين عن لبنان الجديد حتى الـ1975 تاريخ اندلاع الحروب الأهلية التي تتناسل بمختلف الأشكال والألوان والكوارث والمصائب حتى اليوم.

يغريني أن أتذكر هذا الصديق الأسمر الذي عبّد طريقي نحو الدراسات العليا في باريس هربا من بيروت، ويمكنني أن أستلّ حبره ومجموعات الندوة وموته الفظيع اليوم قضاة ومحاكم وهدايات نشهرها معا في وجه هذه الدولة اللبنانية التي تفترس مواطنيها. ليس كلّ حوادث السير في لبنان قضاء وقدراً بقدر ماهي إهمال وتخلّف وحفر وعدم انتظام وسرقات يسمح لأيّ منكم أن يشهر دعاوى سماوية ودولية ضدّها مع أنها دولة تبدو بحثا عن مسؤوليها وكأنهم مجهولي الإقامة ينتظرون القيامة.

لم يبق سوى الإدّعاء الإلهي على لبنان الرسمي في بقعة الفلتان التي لا تنتهي ولو أن القضاء اللبناني الـ…….. سيقبض علي أو عليك موقوفاً أو سجيناً اذا فتحت شفتيك.

تصوروا أن مخالفات السير تعتبر جرماً مشهوداً، إذ لا تتخطى السرعة في باريس عاصمة فرنسا مثلا حاليا ال٣٠ كلم في الساعة، وإنني أرى سقوط اللبنانيين اللامتناهي لبنان حفرة الموت وكأنها من طبيعة الوطن وليست جرائم عالمية لا توصف.

أسأل:

من هو الذي سمح ويسمح، وبموجب أي قانون أن تغطّي اليافطات الإعلانية الأوتوسترادات والطرقات وأسطح المباني لتضج مضيئة باعلانات تعود فقط لأبناء المسؤولين وأزلامهم وبكافة الألوان والأشكال بينما الشوارع والعاصمة والمدن غارقة في ظلمات القبور والورش المفتوحة أبداً في طرقات لبنان للسرقات من دون أي تنظيم أو تنسيق أو مراقبة أو اشارات ضوئية تحذيرية للمارين تجعلهم يتساقطون في مليون جهنم بالفعل، وكأن وظيفة لبنان قتل مواطنيه المنظم 24/24 في سياق دول العالم.

والله والله، لقد باتت السياسة والوطن والانتخابات والاعلام عيباً وعارا أيها السادة، وكأنّه لم لبنان اليوم مئة ميشال أسمر ترمى فيه تلك الحفر عبر طرقات لبنان تُعلن مشاهد الموت في وطن الموت اسمه لبنان يضحكون على بقايا مواطنيه بمعزوفات الحرية والسيادة والإستقلال الفارغة؟

ألم يسمعوا من أولادهم عن دول الخليج وبلاد العالم والقوانين الصارمة التي تحفظ الناس الباحثة عن اللقمة؟

هل يعرف وزراؤنا في الشؤون الداخلية أعداد الذين سقطوا وتشوهوا من شباب هذا البلد مثلاً على أتوستراد نهر الموت فقط ( لطالما طالبت بتغيّر هذا الإسم على الأقل) حتى الآن ومثله الطرقات السائبة المماثلة؟

هل يفكر سياسيونا إذ يضعون ربطات أعناقهم ويدفعون ممثليهم للتعزية بقتلى حوادث السير نحو الصفوف الأولى والتوابيت ترقص بيضاء فوق الأكتاف بما يتمتم الناس الحزانى وقد أكملوا واجباتهم الدينية والدنيوية؟

هل يفقهون ما يختزنه أنهر الريق الذي يبلعه الناس مجبولا بفقرهم وأحزانهم ودموعهم وهم مغلوبون ومقهورون بتراكم الخوف والموت اليومي والإهمال وغياب الدولة الكامل؟

صدقوني يمكث بقايا اللبنانيين أعمارهم اليوم فوق الشرفات المشلعة بانتظار بناتهم وأبنائهم للعودة سالمين الى بيوتهم خوفاً من كوارث السير عبر السيارات والفانات والشاحنات غير المرمزة أو رعباً من لصوص الشوارع وعصابات الخطف والتشبيح والتشليح والتقطيع والإعتداءات الجنسية!

لبنان بقعة فالتة يا عرب يا عالم وأرفع في وجهها نصي محضر حبر أوقّعه بصرخات الموجوعين للخروج من تلك العبثية الرهيبة.

اسمعوا:

أتذكّر وزيراً ألزم الناس بشراء المطافيء والمثلثات الفوسفورية ووضعها في صناديق عرباتهم فقط لأنه جمع من وراء صفقته ثروة، وصدئت المطافيء ولم تُستعمل وتضاعفت الحوادث.

وأتذكر الوزير الثاني الذي أجبر قانونا اللبنانيين على ربط الأحزمة ومنع سير الدراجات النارية التي لا يمكن تصور أعدادها وكأنها جيوش من النمل تملأ الشوارع والزواريب والساحات، ثمّ فتح هذا الوزير مع معلميه مراكز للمعاينات الإلزامية الميكانيكية ولم تكن بالنتيجة سوى صفقات جديدة لا تنتهي قصصها الملوثة بالنهب.

جاءنا وزير ثالث ليوزع لوحات ضبط السرعة في “الداون تاون” والعديد من الطرقات لكنها بعظمها لم ولا تعمل حيث لا كهرباء في لبنان.

ثم أتانا وزير رابع بدل لوحات سيارات اللبنانيين كلها تحقيقاً لصفقة مدهنة وهكذا دواليك.

كان يكفي بدلا من هذا كله، رصد أعداد من قوى الأمن الداخلي لشهر واحد فقط اسمه شهر ضبط السير تُحجز فيه رخص السوق والعربات المتجاوزة ويُساق المخالفون وزارعو الموت الى تسليم رخص القيادة والتوقيف الإحتياطي حتى ولو كانوا بغالبيتهم من أبناء الزعماء والوزراء و”العظماء” أو سائقيهم ومرافقيهم في عرباتهم السوداء يطيرون فوق حفرة اسمها لبنان والنتيجة لا مستشفيات بل فقراء بالعشرات يفارقون كل يوم ومسؤولون يهتفون:

“عمق الحفرة يا حفار”.

The post "عمق الحفرة يا حفار" appeared first on LebanonFiles.

رابط الخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

الموقع :www.lebanonfiles.com

محتوى مدفوع
محتوى مدفوع

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: