فنزويلا… اختبار الاستقلال في عالم يُدار بالقسر

ما يجري في فنزويلا لا يمكن اختزاله في أزمة سياسية داخلية أو في سجال تقليدي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان. نحن أمام حالة نموذجية لكيفية عمل النظام الدولي حين تقترب دولة ما من حدود القرار المستقل الفعلي. في هذه اللحظة تحديدًا، تتراجع اللغة الدبلوماسية، ويُستدعى منطق القسر بوصفه الأداة الأكثر فاعلية.
من منظور تحليلي، تندرج فنزويلا ضمن الدول الطرفية التي حاولت تعديل موقعها في بنية الاعتماد الاقتصادي العالمي. إعادة توجيه صادرات النفط، كسر الاحتكار الغربي لقنوات التسويق والتمويل، وبناء شراكات مع قوى دولية منافسة، كلها خطوات اصطدمت بقواعد غير مكتوبة تحكم النظام الدولي: الموارد مسموحة، أما القرار بشأنها فمقيَّد.
لكن ما يُقدَّم في الأدبيات الأكاديمية بوصفه «إدارة أزمات» أو «ضغطًا منظمًا»، يُترجم على الأرض كعملية تأديب سياسي واقتصادي. العقوبات هنا لا تهدف إلى تغيير سلوك حكومي محدد، بل إلى إنهاك الدولة نفسها، وإعادة إنتاج التبعية عبر خنق الاقتصاد، وإضعاف البنية الاجتماعية، ودفع الداخل نحو التفكك. إنها سياسة كسر إرادة أكثر منها سياسة تفاوض.
في هذا السياق، يسقط الادعاء الأخلاقي سريعًا. فالنظام الدولي لا يعاقب الانتهاكات بقدر ما يعاقب الخروج عن الدور الوظيفي. دول أكثر قمعًا تُمنح الحصانة لأنها تؤدي دورها داخل المنظومة، فيما تُشيطن فنزويلا لأنها قررت أن تتصرّف كدولة تمتلك مواردها لا كمخزن نفط خاضع للإدارة الخارجية.
أكاديميًا، تعكس الحالة الفنزويلية تراجع فعالية القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، وصعود نمط من الهيمنة القسرية حيث تُدار العلاقات الدولية عبر مزيج من العقوبات، والعزل، والتهديد الضمني باستخدام القوة. هذا التحول لا يطال فنزويلا وحدها، بل يعيد رسم حدود الممكن والممنوع أمام دول الجنوب بأكملها.
سياسيًا، الرسالة فظة ولا تحتاج إلى ترجمة:
من يوسّع هامش قراره يُحاصَر، ومن يصرّ على الاستقلال يُستنزف، ومن يعجز عن الصمود يُعاد إلى بيت الطاعة. في عالم كهذا، لا تُكافأ السيادة، بل تُختبر حتى الانكسار.
الخلاصة أن فنزويلا ليست استثناءً ولا حالة معزولة، بل مختبرًا مفتوحًا لمرحلة دولية أكثر خشونة. مرحلة لا تُقاس فيها قوة الدول بما تملكه من موارد أو شرعية، بل بقدرتها على تحمّل كلفة الاستقلال. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا ليس ماذا سيحدث في فنزويلا، بل كم دولة أخرى ستُدفع إلى الحافة قبل أن تدرك أن النظام الدولي لم يعد ساحة تفاوض، بل ميزان قوة عارٍ.
