ملفات ساخنة

دور المقاومة في ميزان التحوّلات الإقليمية المقاومة

من خيار اضطراري إلى معادلة إقليمية

 

لم يعد دور المقاومة في لبنان مسألة داخلية قابلة للاختزال بشعار أو موقف سياسي. نحن أمام فاعل عسكري–سياسي إقليمي، فرض نفسه كجزء من معادلات الردع في الشرق الأوسط، وخرج منذ سنوات من إطار “الدفاع المحلي” إلى موقع التأثير المباشر في حسابات الحرب والسلم.

التقديرات الإسرائيلية الأخيرة، التي تتحدث عن امتلاك حزب الله عشرات آلاف المقاتلين ومئات الصواريخ القادرة على بلوغ عمق غوش دان، ليست مجرد أرقام استخبارية، بل اعتراف عملي بأن ميزان القوى لم يعد أحاديًا، وأن أي مواجهة مقبلة لن تُدار وفق قواعد الماضي.

أولًا: البعد العسكري – الردع قبل الحرب

من الناحية العسكرية البحتة، أدت المقاومة وظيفة واضحة:
منع إسرائيل من شنّ حرب شاملة على لبنان منذ عام 2006، رغم كل الاستفزازات والضغوط.

القدرة الصاروخية الواسعة حوّلت الجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى نقطة ضعف.

القوة البشرية الكبيرة مكّنت المقاومة من الحفاظ على جهوزية عالية رغم الاستنزاف.

الانتشار المدروس خلق توازن رعب لا يُلغي الحرب، لكنه يرفع كلفتها إلى مستويات غير مضمونة.

هذا الردع لا يعني انتصارًا دائمًا، لكنه يعني أن الحرب لم تعد قرارًا إسرائيليًا منفردًا، بل مغامرة محسوبة العواقب.

ثانيًا: البعد السياسي – المعضلة اللبنانية

هنا تكمن الإشكالية الأخطر. فبينما ترى المقاومة نفسها حامية للسيادة في مواجهة تهديد خارجي دائم، ترى الدولة اللبنانية نفسها عاجزة عن احتواء هذا الدور ضمن مؤسساتها.

النتيجة:

سلاح خارج إطار الدولة.

قرار حرب وسلم غير مركزي.

ضغط دولي متصاعد على لبنان ككل، لا على المقاومة وحدها.

إسرائيل والمجتمع الدولي لا يفصلان بين الدولة والمقاومة. أي صاروخ يُطلق، وأي موقع يُستهدف، يُحسب على لبنان رسميًا، ما يضع البلاد في مأزق سيادي دائم.

ثالثًا: البعد الإقليمي – المقاومة كجزء من محور

لم تعد المقاومة فاعلًا محليًا فقط. انخراطها في الصراع الإقليمي، وعلاقتها بمحور يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق، جعلها جزءًا من شبكة ردع إقليمية.

هذا البعد يمنحها:

عمقًا استراتيجيًا.

دعمًا لوجستيًا وتقنيًا.

قدرة على الصمود الطويل.

لكنه في المقابل:

يربط قرارها بسياقات إقليمية.

يضع لبنان في قلب صراعات أكبر من طاقته.

يفتح الباب أمام استهدافه كـ “ساحة” لا كدولة.

رابعًا: السردية المتقابلة – مقاومة أم عبء؟

الانقسام حول دور المقاومة لم يعد أخلاقيًا فقط، بل وظيفيًا:

أنصارها يرون فيها الضمانة الوحيدة لردع إسرائيل.

معارضوها يرون فيها سببًا مباشرًا للعزلة والدمار والاستنزاف.

الحقيقة، وفق قراءة واقعية، تقع في المنطقة الرمادية:
المقاومة نجحت في الردع، لكنها فشلت في التحول إلى جزء من استراتيجية دفاع وطنية جامعة، ما أبقى دورها معلّقًا بين الضرورة والخطر.

خامسًا: السيناريوهات المقبلة
1. تثبيت معادلة الردع

استمرار الوضع الحالي: لا حرب شاملة ولا تسوية، مع تصعيد محدود واستنزاف طويل.

2. الانفجار الكبير

خطأ في الحسابات أو قرار إقليمي قد يجرّ لبنان إلى حرب واسعة، بكلفة غير مسبوقة.

3. إعادة تعريف الدور

وهو السيناريو الأصعب والأقل احتمالًا: دمج دور المقاومة ضمن إطار وطني–دفاعي واضح، يعيد للدولة جزءًا من قرارها.

 

دور المقاومة لم يعد سؤالًا نظريًا، بل عاملًا حاسمًا في مصير لبنان. هي قوة ردع حقيقية في مواجهة إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه جزء من مأزق الدولة المزمن. وبين من يراها خط الدفاع الأخير، ومن يعتبرها عبئًا استراتيجيًا، يبقى الخطر الأكبر هو استمرار الغموض: غموض الدور، وغموض القرار، وغموض المستقبل.

في زمن تُدار فيه المنطقة بمنطق القوة، قد تكون المقاومة ضرورة. لكن من دون دولة قادرة، تتحول الضرورة نفسها إلى خطر مفتوح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى