
منذ وقف الأعمال القتالية، يُتداول في لبنان مصطلح «الميكانيزم» بوصفه الإطار الذي يفترض أن يضبط الوضع الأمني ويمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة. لكن مع مرور الوقت، بات هذا المصطلح مرادفًا للغموض والعجز، بل وللازدواجية السياسية.
ما هي «الميكانيزم»؟
«الميكانيزم» ليست اتفاقًا جديدًا ولا قوة تنفيذية مستقلة، بل آلية تنسيق ومراقبة تضم الولايات المتحدة، فرنسا، قوات «اليونيفيل»، والجيش اللبناني، وتستند عمليًا إلى القرار 1701. مهمتها المعلنة:
مراقبة الخروقات
احتواء التصعيد
نقل الرسائل بين الأطراف
منع توسّع الحرب
لكنها لا تمتلك:
سلطة إلزام
أدوات ردع
قدرة على فرض عقوبات
أي أنها آلية مراقبة لا آلية حماية.
ما دورها الفعلي على الأرض؟
هنا تبدأ الإشكالية. فمنذ تصاعد العدوان الإسرائيلي، لم تُسجَّل أي خطوة عملية:
لا ضغط فعلي على إسرائيل
لا شروط لوقف القصف
لا حماية للمدنيين
لا مساءلة عن الخروقات اليومية
كل ما تقوم به «الميكانيزم» هو تسجيل الوقائع، لا تغييرها. تكتب التقارير، تنقل الملاحظات، وتنتظر… بينما النار مستمرة.
لماذا لم تتحرك لوقف العدوان؟
السبب ليس تقنيًا بل سياسي:
الانحياز البنيوي:
الولايات المتحدة، اللاعب الأثقل داخل «الميكانيزم»، ترى أمن إسرائيل أولوية مطلقة، ما يجعل أي ضغط عليها شبه مستحيل.
غياب الإرادة الدولية:
لا توجد رغبة حقيقية في كبح إسرائيل طالما أن التصعيد يُستخدم كورقة ضغط على لبنان والمقاومة وإيران.
تحويل لبنان إلى ساحة اختبار:
«الميكانيزم» تُدار بمنطق إدارة الأزمة لا حلّها، وترك لبنان تحت النار جزء من سياسة الاستنزاف.
من هو عدو «الميكانيزم»؟
رسميًا: لا عدو لها.
عمليًا: كل من يملك قدرة ردع خارج الإرادة الغربية.
فهي:
لا تواجه إسرائيل
لا تردع العدوان
لكنها تضغط سياسيًا على لبنان تحت عنوان «حصرية السلاح»
وتتعامل مع المقاومة كـ«مشكلة أمنية»، لا كجزء من معادلة الردع
الخلاصة
«الميكانيزم» في لبنان ليست ضمانة للاستقرار، بل إطار دولي لإدارة التفوق الإسرائيلي ومنع لبنان من امتلاك أدوات قوة مقابلة. هي آلية تُطالب الطرف الضعيف بالالتزام، وتمنح الطرف القوي هامشًا مفتوحًا للخرق.
ولهذا، كلما اشتد العدوان، ازداد وضوح الحقيقة:
ما لا تحميه القوة، لا تحميه الميكانيزمات.
