عاجل

مفاوضات إسطنبول على خط النار… بين التصعيد الروسي والحسابات الأمريكية


مفاوضات إسطنبول على خط النار… بين التصعيد الروسي والحسابات الأمريكية

كتب د. سعد خلف- موسكو

اليوم الجمعة، ٣٠ مايو ٢٠٢٥، وفي ضوء مستجدات المشهد الروسي-الأوكراني نرى كيف تتقاطع التطورات العسكرية الميدانية مع الحركية الدبلوماسية المتسارعة، ما يفرض علينا كمتابعين لهذا الصراع المعقد والذي بات صراعًا دوليا، وان بالوكالة، قراءة متأنية لما بين السطور، دون الوقوف عند ظاهر التصريحات أو تسلسل الضربات، وإنما الغوص في عمق التفاعلات بين الفاعلين المباشرين، ومن وراءهم الدوليين، سعيا لمحاولة استشراف ما قد تحمله جولة مفاوضات إسطنبول القادمة من مآلات.

ومن واقع ما نتابعه من تصريحات متبادلة بين موسكو وكييف حول استعداد الطرفين للجلوس مجدداً على طاولة التفاوض في إسطنبول، نرى ان كل ذلك لا يخرج في جوهره عن إطار إدارة الأزمة أكثر من الرغبة الحقيقة او الشعب الجدي لحلها.

فالطلب الأوكراني بالحصول مسبقاً على نسخة من المذكرة الروسية اشارة مباشرة وواضحة الى انعدام الثقة المتجذر والمتبادل، فضلا عن حرص كييف على ضبط شروط الدخول في العملية التفاوضية ضمن هامشها المقبول داخلياً ودوليا.

اما اذا نظرنا الى الموقف الروسي، فتبدو موسكو، ومن واقع ما يأتي على لسان متحدثيها، حريصة على عدم تسريب بنود المذكرة قبل الجلوس المباشر خلف الطاولة، في خطوة تعكس ثنائية الرغبة في الحفاظ على زمام المبادرة من جهة، وتجنب الضغط الإعلامي من جهة أخرى. لكن الحقيقة الأبرز أن المفاوضات، في هذه المرحلة، لا تزال رهينة ليس فقط إرادة موسكو وكييف، بل المزاج السياسي في واشنطن.

تبدو اللحظة عشية انعقاد هذه الجولة الجديدة من المفاوضات بين روسيا واوكرانيا، والمفترض عقدها ٢ يونيو القادم، تبدو حرجة في عمر الصراع، حيث تتشابك مؤشرات التصعيد العسكري مع التحركات الدبلوماسية المكثفة التي تقودها موسكو وواشنطن برعاية تركية.

هذه اللحظة، من منظور استراتيجي، ليست عابرة، بل قد تمثل منعطفاً حاسماً يعيد رسم طبيعة الصراع ذاته، إن لم يكن خارطة الأمن الأوروبي لعقود قادمة، وساحاول، من وجهة نظري الشخصية كمراقب بالطبع، التوضيح لماذا هي لحظة حرجة.

فبينما تواصل روسيا فرض إيقاع ميداني تصاعدي في شمال وشرق أوكرانيا، تتحرك واشنطن عبر أدواتها السياسية والإعلامية لصياغة مناخ تفاوضي يخدم أولوياتها، وليس رغبة في حل الصراع القائم في قلب اوروبا..

وفي الوقت نفسه تسعى واشنطن لإبقاء كييف في موقع المتلقي أكثر من كونه طرفاً بيده اي قرار.. وهذا هو آفة السلطة الاوكرانية في رأيي منذ ٢٩ مارس ٢٠٢٢، اي جولة اسطنبول التي جرت منذ اكثر من ثلاثة اعوام وكان بامكان زيلينسكي حينها الاتفاق مع بوتين ووقف الحرب وانقاذ الالاف من الارواح من الطرفين، والمدن المدمرة وشيئا من استقلالية القرار.

وسأحاول خلال الاسطر القليلة التالية تحليل محددات الموقف الروسي في السياق الحالي… وتفكيك عناصر التاثير الامريكي… واستشراف ما قد تصل اليه مفاوضات اسطنبول أو ما هي سيناريوهاتها المحتملة، كما أراها، في ضوء التوازنات العسكرية والدبلوماسية الحالية.

١- المحدد الروسي الأهم: هو فرض الايقاع من الميدان الى طاولة التفاوض…

ما افهمه هو ان بوتين ينطلق إلى طاولة إسطنبول وفي يده أوراق ميدانية ثقيلة. فالتقدم العسكري الروسي خلال الايام الاخيرة في محور سومي، والحشد الذي يفوق ٥٠ ألف جندي على حدود الشمال الأوكراني (حسب مصادر عسكرية يعتمد عليها)، لا يسعنا تقديره الا انه يعكس تحوّلاً تكتيكياً نحو فتح جبهة جديدة تستنزف قدرات كييف وتُعيد خلط أولوياتها الدفاعية.

يضاف إلى ذلك الضربات الجوية المكثفة التي وقعت في ٢٥ مايو، والتي شملت استخدام أكثر من ٣٠٠ طائرة مسيّرة و٧٠ صاروخاً، وهي الضربات التي وصفت بانها أكبر عملية جوية تشنها روسيا منذ بدء الحرب.. والرسالة هنا لا تخطئها عين.

ومع ذلك اعتقد ان الكرملين، حسب فهمي لعقلية صانع القرار بداخله ايضا، لا يهدف من هذا التصعيد إلى الحسم الميداني الشامل، بل إلى تحسين شروط التفاوض. فموسكو تُدرك أن وقف العمليات بدون مكاسب سياسية استراتيجية، وعلى رأسها وفي مقدمتها مسألة الضمانات بعدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، سيكون بمثابة انتكاسة جيوسياسية، لا مجرد تراجع ميداني.

لذلك، تُصر موسكو على الحفاظ على غموض بنود مذكرتها التفاوضية التي يفترض ان تعرض في إسطنبول يوم ٢ يونيو ٢٠٢٥، وتصر على رفض الكشف عنها مسبقاً.

وهذا الرفض لا يعكس نية للتهرب من الحوار، في رأيي، كما يحاول البعض تصويره، بل يأتي كتكتيك تفاوضي منضبط، تستهدف موسكو من وراءه وضع كييف أمام موقف فعلي لا إعلامي، ويمنح موسكو حرية المناورة عند بدء هذه الجولة المنتظرة.

٢- ترمب وادارة المفاوضات من خلف الستار …

في الحقيقة لا يمكن لمراقب الا الاعتراف، بان واشنطن هي من تدير مشهد التفاوض من موقع المايسترو غير المُعلن. فمع تصعيد موسكو على الأرض، اختارت الإدارة الأمريكية استخدام الجنرال كيث كيلوغ، المستشار المقرب من الرئيس ترامب، كقناة تمهيدية لبث إشارات حول ما وصف ب “انفتاح أمريكي” تجاه المخاوف الأمنية الروسية.

تصريحات كيلوغ، التي أشارت إلى “تفهم واشنطن لاعتراضات موسكو على توسع الناتو”، بدت لأول وهلة وكأنها تنازل أمريكي مبكر. غير أن التقدير الروسي، كما أفهمه من داخل أروقة صنع القرار في موسكو، يتعامل مع تلك التصريحات بحذر بالغ، ويرى فيها “أداة تدوير خطابية” وليست تغييراً في الموقف الاستراتيجي…

والسبب الرئيسي لهذا الحذر يعود إلى غياب أي التزام قانوني أمريكي حتى الآن بوقف توسع الحلف، خاصة أن موسكو تطالب بموقف مكتوب يُدرج في ميثاق الناتو نفسه، وهو ما يتطلب إجماعاً أوروبياً لم يتبلور بعد. ويصعب حتى تخيله في القريب من واقع الانقسام الأوربي المشاهد..

ولذا، فإن الكرملين لا يعتبر كلام كيلوغ أكثر من محاولة لامتصاص الضغط الروسي، لا سيما قبيل قمة الناتو المرتقبة في يونيو المقبل.

٣- كيف وقعت كييف بين مطرقة الضغط العسكري وسندان الغرب؟!

أما أوكرانيا، فتبدو في موقع لا تحسد عليه، او بتعبير اكثر دقة، في موقع حساس للغاية.. فهي من جهة تحاول الاستفادة من الدعم الغربي، لا سيما الألماني، الذي ترجم مؤخراً باتفاق لإنتاج أسلحة بعيدة المدى داخل أراضيها، والحديث يدور بالطبع عن منظومات صواريخ تاوروس، والتي تسبب انزعاجا كبيرا لموسكو.

ومن جهة أخرى، تجد نفسها تحت ضغوط أمريكية لقبول دخول جولة تفاوضية دون شروط، وواشنطن تدعوها لذلك بهدف الحفاظ على صورة “الضحية المرنة” أمام الرأي العام العالمي.

لكن تصعيد كييف باستخدام الطائرات المسيّرة لضرب العمق الروسي، حيث استُهدفت منشآت صناعية في قطاع الدفاع، يمكن اعتباره رسالة مزدوجة: واحدة داخلية لضمان تماسك الجبهة المحلية، والأخرى خارجية لإثبات القدرة على الردع، ولو رمزياً. لكنها لا تُغير في جوهر ميزان القوى العسكري شيئاً يُذكر.

ولعل ما يعقد موقف كييف أكثر هو إدراكها لحقيقة أن كل هدنة محتملة ستُجمّد الوضع الميداني لصالح روسيا، ما لم تتضمن انسحابات واضحة. وهو المستبعد تماماً من وجهة نظري انطلاقاً من الوضع الميداني الحالي. وفي الوقت نفسه، رفض الهدنة قد يُظهرها بمظهر المتشدد، في لحظة بات فيها الرأي العام الدولي- بل وحتى بعض حلفائها- يطالبون بتهدئة.

٤- الوساطة التركية: هندسة المرونة بين موسكو وواشنطن

تدرك تركيا، التي تحولت الي حاضنة تقليدية لجولات التفاوض بين روسيا وأوكرانيا، انها تمسك بخيط مهم، لكنه ليس حاسماً. فتصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان التي ألمحت إلى ان روسيا قد تجد نفسها في موقع غير موات إذا لم تبدي مرونة، عكست على نحو دقيق الضغط الذي تمارسه انقرة، وان بلغة دبلوماسية، على موسكو.

ومع ذلك، تبقى الحسابات التركية برغماتية، فأنقرة لا ترغب في خسارة علاقتها المتميزة مع موسكو، لكنها لا تمانع في تقديم نفسها كقوة موازنة داخل الناتو داخل الناتو، خصوصا ان اي نجاح تفاوضي سيحسب لأنقرة كانجاز دبلوماسي نوعي.

٥- اذن من وحي كل ماسبق، ما هي السيناريوهات المحتملة او المتوقعة بعد ٢ يونيو؟

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما قد ينتج عن مفاوضات إسطنبول القادمة، وفقا لقراءات توازن القوى، فضلا عن النية السياسية الظاهرة.

– السيناريو الاول:

قد تودي هذه الجولة إلى تفاهم مبدئي مؤقت، يتضمن إعلان نوايا لوقف إطلاق نار مشروط، مع تشكيل لجان تفاوض فني لاحقة.

وهذا السيناريو في رأيي قد يكون هو الأرجح- في حال لو مارس ترامب ضغطا فعالا على زيلينسكي وكييف، وبشرط قبول موسكو بضمانات غير مكتوبة كمرحلة أولى.

– السيناريو الثاني:

تأجيل المفاوضات، وهذا سوف يحدث إذا رفضت كييف الدخول دون الاطلاع على المذكرة الروسية مسبقا… او مثلا إذا اصرت واشنطن على عدم تقديم ضمانات واضحة لموسكو حول ملف الناتو.. وفي حال تحقق هذا السيناريو فسيكون مصحوبا بتصعيد ميداني متبادل.

– السيناريو الثالث:

فشل هذه الجولة وبداية تصعيد أوسع: ففي حال اصطدمت الأطراف بجدران مغلقة (حيطة سد)، قد تستخدم موسكو فشل المفاوضات كذريعة لتوسيع العمليات في خاركوف وزابوروجيا، بينما ستسرع أوكرانيا بالطبع وتيرة استهدافها للعمق الروسي.

ونستنتج من كل ما سبق، ان لحظة الحقيقة تقترب .. لان الأطراف المباشرة باتت محشورة بين مطرقة التفاوض وسندان الإكراه..

إن مفاوضات اسطنبول وان بدت للوهلة الاولى فرصة لإنهاء الحرب التي طالت اكثر مما توقعه الكثيرون، الا انها، من زاوية النظر الاستراتيجية، تعتبر اختبارا صعبا لارادة الأطراف في التوصل إلى تسوية حقيقية..

موسكو ما تزال تتحكم بزمام المبادرة على الارض، ولذلك لن تقبل باي تسوية لا تحقق اهدافها الامنية الجوهرية.. وهذا موقف أراه منطقياً..

وواشنطن التي تسعى لإدارة الصراع من دون تحمل تبعات الانخراط المباشر، تناور وسوف تستمر تناور عبر حلفائها دون تقديم التزامات صريحة.

وفي ضوء كل ذلك، قد تكون الجولة القادمة من مفاوضات إسطنبول- في افضل الاحوال- مجرد لحظة استكشافية، لكنها بالطبع سوف ترسي قواعد الاشتباك التفاوضي .. ولن تضع نهايته.. لكن في حال فشلها، فسيبقى شبح التصعيد الشامل ماثلا .. وربما بأشكال غير تقليدية …

ظهرت المقالة مفاوضات إسطنبول على خط النار… بين التصعيد الروسي والحسابات الأمريكية أولاً على تلفزيون برافدا.

مصدر الخبر
نشر الخبر اول مرة على موقع :pravdatv.org
بتاريخ:2025-05-31 11:14:00
الكاتب:قسم التحرير
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى