
في عامٍ على مواراةِ الشمس، لا تغيبُ الشموس.
تمرّ الذكرى الأولى على تشييع سيّد شهداء الأمّة، سماحة السيّد حسن نصر الله “قدّس سرّه”، ورفيقه في الدرب السيّد هاشم صفي الدين “قدّس سرّه”، فتعود المشاهد حيّةً في الوجدان: أمواجُ المحبّين، دموعُ الأوفياء، وقلوبٌ معلّقةٌ بين الأرض والسماء. لم يكن التشييع مجرّد وداع، بل كان تجديدَ بيعةٍ لقيمٍ آمنوا بها، ومسيرةٍ خطّها الرجال بعرقهم ودمهم وصبرهم الطويل.
عامٌ مضى، وما زال الصوتُ حاضرًا في الضمائر، يذكّر بأنّ القادة قد يغيبون بأجسادهم، لكنّهم يبقون بما زرعوه من وعيٍ وثبات. لقد كانا عنوانًا لمرحلةٍ حفلت بالتحدّيات والتحوّلات، فاختارا أن يكونا في قلب المواجهة، وأن يتحمّلا تبعات القرار حين يتردّد كثيرون. ومن يعرف سيرة الرجلين يدرك أنّهما لم يطلبا مجدًا شخصيًّا، بل حملا همّ الناس وقضاياهم، وجعلا من الالتزام نهجًا لا يتبدّل.
في الذكرى، لا نقف عند حدود الحزن، بل نتجاوزها إلى معنى الاستمرار. فالمسيرة التي حملها الشهيدان ليست لحظةً عابرة في تاريخ، بل هي مشروعُ وعيٍ وصبرٍ وتضحية. هي دعوةٌ إلى الثبات على المبادئ، وإلى صون الكرامة، وإلى ترسيخ ثقافة المسؤولية في زمنٍ تعصف فيه الرياح.
تشييعُهما كان مشهدًا جامعًا، اختلطت فيه الرايات بالدعوات، والهتافات بالصلوات. وكان إعلانًا صريحًا بأنّ الفكرة لا تُدفن، وأنّ الدم إذا امتزج بالإيمان صار عهدًا في أعناق الأحياء. هكذا تتحوّل الذكرى إلى محطةٍ للمراجعة: ماذا قدّمنا؟ كيف نحفظ الأمانة؟ وأين نقف من القيم التي ناديا بها؟
عامٌ على مواراة الشمس، لكنّ الفجر لم ينطفئ. لأنّ الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يورّثون المعنى قبل الموقع، والرسالة قبل الاسم. وفي كلّ عامٍ، حين تعود الذكرى، يتجدّد الوعد بأن تبقى المبادئ حيّةً في السلوك، وأن يبقى الوفاء فعلًا لا قولًا، وأن تظلّ التضحيات مناراتٍ تهدي الدرب للأجيال.
