ثروات المتوسط: رهانات “شيفرون” وقطر على الغاز السوري

بينما كانت الحفارات البحرية في دول شرق المتوسط ترفع شعارات الاكتفاء والتصدير، بقيت المياه السورية طوال عقود في حالة “انتظار تقني” وجيوسياسي معقد. واليوم، ومع توقيع وزارة النفط السورية مذكرات تفاهم مع شركة “شيفرون” الأميركية و”باور إنترناشونال” القطرية، يعود ملف الاستكشاف إلى الواجهة، لا كرهان سياسي فحسب، بل كاستثمار في “كنز” أكدته مسوحات زلزالية تعود جذورها إلى عام 2005، لتضع سوريا أمام فرصة تاريخية لاقتناص موقعها بين منتجي الغاز البحري.
حين كشف النرويجيون أسرار القاع
لم تأتِ “شيفرون” اليوم من فراغ، فالمسار الاستكشافي السوري بدأ فعلياً في عام 2005 حين تعاقدت دمشق مع شركة “INSEIS” النرويجية (التي استحوذت عليها لاحقاً CGG الفرنسية)، إذ أجرت الشركة مسحاً زلزالياً ثنائياً الأبعاد (D2) غطى 5000 كم طولي على مساحة 10 آلاف كلم²، أي كامل المنطقة الاقتصادية السورية.
نتائج التحليل التي قدمتها شركة “Sagex” آنذاك، وصفت المنطقة بـ”المعقدة جيولوجياً” والواعدة جداً، كونها تقع فوق حدود تكتونية حساسة بين الصفائح الإفريقية والأوراسية، وتضم ثلاثة أحواض رسوبية رئيسية هي: ليفانتين، وقبرص، واللاذقية. هذه البيانات التي نُشرت في تقرير “CGG” عام 2011 هي ذاتها التي تشكل اليوم “بنك المعلومات” الذي تستند إليه مذكرات التفاهم الموقعة أخيراً.
من البر إلى أعماق البحر
لا يعدّ الأمل السوري في التحول إلى “دولة غازية” مجرد أمنيات. فقبل عام 2011 كانت سوريا تنتج أكثر من 400 ألف برميل نفط يومياً، وتمتلك احتياطيات برية مؤكدة تصل إلى 2.5 مليار برميل، بحسب هيئة الطاقة الأمريكية ومجلة النفط والغاز 2013. أما في البحر، فإن تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) لعام 2010، يُقدر احتياطيات حوض شرق المتوسط بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاسترداد.
وعليه، فإن سوريا، التي تمتلك نحو 6.5 بالمئة من مساحة هذا الحوض المعروف بـ”ليفانتين”، تراهن اليوم على تحويل هذه التقديرات إلى واقع عبر خبرات “شيفرون” التقنية، خاصة بعد أن أظهرت الأقمار الصناعية “وفق الباحث ستيفن بومان 2011″، بقعاً نفطية وإشارات غازية في توضعات عميقة قبالة الساحل السوري.
تحالف الخمسة الكبار ورهان “أديس”
وبينما تتركز الأنظار على غاز المتوسط، كشفت تقارير “رويترز” عن تحرك موازٍ لا يقل أهمية في الحقول البرية، حيث تبلور تحالف خماسي يضم عمالقة الخدمات النفطية (بيكر هيوز، هنت إنرجي، وأرجنت للغاز) بالتعاون مع (شركة طاقة)، هذا التحالف يضع ثقله في 5 مواقع استكشافية في المنطقة الشمالية الشرقية.
وفي تطور ميداني لافت، أكدت مصادر صحفية اقتراب شركة “أديس” (ADES Holding) السعودية من إبرام اتفاق لاستثمار وتشغيل معمل غاز “كونيكو” في دير الزور. دخول “أديس” – المعروفة بخبرتها في الحفر المتقدم – لا يمثل مجرد استثمار مالي، بل هو “قاطرة تقنية” تهدف لرفع كفاءة المعالجة في المعمل لضمان تدفق الغاز نحو محطات التوليد المحلية، مما يربط طموحات “شيفرون” البحرية بواقع إنتاجي فوري على الأرض، ويحول الخريطة النفطية السورية إلى ورشة عمل متكاملة تقودها تحالفات “عابرة للحدود”.
بين الطموح البحري وتهالك البر
في حديث خاص لـ”المدن”، يضع الخبير النفطي حيدر البطاط، النقاط على الحروف، مشيراً إلى أن منشآت مثل “كونيكو” التي أُنشئت بتكنولوجيا تسعينيات القرن الماضي، تعاني من “شيخوخة المعدات” (Aging Facilities)، تآكل الأنابيب (Corrosion)، تضرر أنظمة التحكم (SCADA)، وضعف وحدات المعالجة. أما على صعيد المكامن، فقد تعرضت الآبار لانخفاض في الضغط وزيادة في المياه المصاحبة (Water Cut) بسبب الإنتاج غير المنظم.
ويرى البطاط أنه رغم امتلاك شركات مثل “بيكر هيوز” للخبرة في إعادة تأهيل الضواغط والتحفيز الحمضي، و”أديس” في تنشيط الآبار، إلا أن العودة لمستويات إنتاج ما قبل 2011 خلال جدول زمني قصير هو أمر “غير واقعي”، إذ تتطلب إعادة تأهيل 60 إلى 70 بالمئة من الطاقة السابقة ما بين 2 إلى 3 سنوات من العمل المنظم، مؤكداً أنه “أحياناً يكون بناء معمل جديد أسرع وأرخص من محاولة ترقيع معمل متهالك بتكنولوجيا قديمة”.
وعن احتياطيات البحر، يكشف البطاط أن رقم 1.2 تريليون متر مكعب هو “تقديرات موارد محتملة” (Prospective Resources) وليس احتياطيات مؤكدة (Proven Reserves)، حيث تواجه استخراجها عوائق تقنية كحفر المياه العميقة (Deepwater)، والضغط والحرارة المرتفعين (HP/HT)، وغياب البنية التحتية، مما قد يتطلب 7 سنوات واستثمارات بمليارات الدولارات.
وبخصوص دخول “شيفرون” و”باور”، يؤكد البطاط أن العقود “أقل جاذبية” إذا كانت بنظام الخدمة (Service Contracts) ذي الأجر الثابت، بينما تكون “أكثر تحفيزاً” إذا كانت بنظام مشاركة الإنتاج (PSA) الذي يضمن استرداد التكاليف (Cost Recovery) في بيئة عالية المخاطر.
كذلك، يشدد الخبير النفطي على أن المسوحات ثلاثية الأبعاد (D3) ضرورية لتقليل مخاطر الحفر الجاف بنسبة 40 إلى 60 بالمئة، مشيراً إلى أن الاكتشافات العملاقة “فنياً” ممكنة جيولوجياً، لكنها تتطلب حفراً استكشافياً للتأكيد، حيث تحدد أول بئرين أو ثلاثة الاتجاه.
رحلة العودة من “عقد سويوز” المجمّد
التوقيع الحالي يعيد الاعتبار لخطة عام 2011، حين طرحت دمشق أربعة قطاعات بحرية (بلوكات) بمساحة 7750 كم²، وهي المناقصة التي تعثرت حينها بسبب ظروف الحرب.
بالتالي، فإن ما حصلت عليه “شيفرون” اليوم، كان من نصيب شركة “سويوز نفط غاز” الروسية في 2013 عبر “عقد عمريت البحري” (البلوك رقم II)، الذي غطى 2977 كلم² بين طرطوس وبانياس.
ورغم رصد 100 مليون دولار للعمل، إلا أن الروس انسحبوا في 2015 لدواعٍ أمنية؛ واليوم، يؤكد صفوان شيخ أحمد مدير الاتصال في السورية للبترول، أن سوريا تمتلك 5 بلوكات بحرية، وسيتم تخصيص أحدها لنطاق العمل المشترك مع “شيفرون” و”باور”، مع توقعات ببدء الدراسات الفنية خلال شهرين، في خطوة تهدف لتحويل مذكرات التفاهم إلى اتفاقيات تنفيذية خلال 8 أشهر.
العقدة اللبنانية والوساطة القطرية المأمولة
بالتوازي، لا يكتمل المشهد دون حل “لغز الحدود” الذي ظل عالقاً لسنوات، فالمعطيات الفنية المستندة إلى الأرشيف الجيوفيزيائي لشركة (INSEIS) النرويجية تؤكد وجود تداخل في التراكيب الجيولوجية الغازية بين “البلوك رقم 1″ السوري و”البلوكات الشمالية” اللبنانية. هذا التداخل يظهر بوضوح في تقارير “اللجنة الفنية اللبنانية الرسمية المكلفة بملف الحدود البحرية”، والتي وثّقت وجود منطقة نزاع و”تداخل إحداثيات” بمساحة تقارب 900 كيلومتر مربع نتيجة التباين في تحديد “النقطة شمال”، مما جعل هذه المنطقة معطلة استثمارياً لعقود.
إلا أن المشهد اليوم يتغير جذرياً، إذ تشير استراتيجيات “قطر للطاقة” وتمدد شركة “باور” في حوض المتوسط إلى دور قطري محوري يتجاوز الاستثمار المالي ليلعب دور “الوسيط التقني”. ووفقاً لمؤشرات مذكرات التفاهم الإقليمية المرتبطة بـ”خط الغاز العربي”، يبرز تحالف “شيفرون وقطر” كقوة قادرة على فك اشتباك الحدود عبر نموذج “الاستثمار المشترك” للآبار العابرة للحدود. هذا التوجه يهدف لتجاوز العوائق التي أفشلت الوساطات السابقة، والبدء باستخراج الثروة بناءً على الإحداثيات الهندسية التي أقرتها اللجان الفنية، مما يضمن حصص الأطراف بعيداً عن التعقيدات السياسية التي قد تطول.
بين فكّي “الكفاءة الميدانية” و”الربط الإقليمي”
وبناءً على قراءة تحليلية لتقارير الاستدامة والتقارير السنوية (2025-2026) لعمالقة الطاقة المشاركين، يتضح أن خارطة طريق الغاز السوري لا تقتصر على مجرد إعادة التشغيل، بل تنقسم إلى مسارين متكاملين: مسار فني-تشغيلي سريع تقوده شركة “أديس” السعودية في حقول المنطقة الوسطى. ومسار استراتيجي-استثماري طويل الأمد تقوده “شيفرون” الأمريكية في المياه الإقليمية، بهدف ربط الحقول البحرية السورية بالمنظومة المتوسطية للإمداد، مما يحول سوريا من مستهلك إلى لاعب طاقوي إقليمي. هذا التكامل، المدعوم بتقنيات التحول الرقمي من “بيكر هيوز”، يضمن استدامة الإنتاج ويقلل الهدر الميداني، مما يضع سوريا أمام مرحلة انتقالية حاسمة تعتمد نجاحاتها على سرعة تأهيل البنية التحتية والموائمة بين المتطلبات المحلية والمصالح الاستراتيجية للشركاء الدوليين.
The post ثروات المتوسط: رهانات “شيفرون” وقطر على الغاز السوري appeared first on Lebanon Economy.



