اقتصاد

موازنة العام 2026: إفقار دون إعمار (1/2)


نُشرت موازنة العام 2026 بموجب القانون الرقم 10 تاريخ 10 شباط 2026 في عدد الجريدة الرسمية الرقم 7 خلافاً للدستور، ولا سيما المادة 87 منه.

جاءت موازنة العام 2026 إثر موازنة العام 2025 التي تمّ إمراها بمرسوم خلافاً للدستور، وذلك بعد وعد بأن يكون فيها التصحيح والإصلاح والإنماء والإعمار. واعتقد الناس أنّ عدوان إسرائيل في العام 2024 وتدميره قرى وبلدات في الجنوب ومناطق من الضاحية وبيروت والبقاع وغيرها من المناطق اللبنانية، ربما يشكّل حافزاً لاستنهاض الحكومة، والعمل على مكافحة الفساد المالي والإقتصادي والإداري ومعالجة الأزمات الإقتصادية والمالية والنقدية والدين العام وانهيار النظام المصرفي والخسائر اللاحقة بالدولة ومصرفها المركزي، وصولاً الى إعمار ما هدّمته الحرب، وتكون موازنة الدولة للعام 2026 طريق الولوج إلى الخلاص.
إنّ قراءة أرقام هذه الموازنة بالمقارنة مع موازنتي 2024 و2025، تبيّن انعدام الرؤية الإقتصادية الشاملة للإنقاذ والنهوض من الأزمة الإقتصادية المالية النقدية التي تسببت بها سياسات السلطتين التشريعية والتنفيذية.
من خلال المقارنة بين موازنتي 2025 و 2026 يتبين الآتي:
ـ بلغت موازنة العام 2026 ما مجموعه 534.716 مليار ل.ل وهي تعادل 6.016 مليارات د.أ مقابل 445.212 مليار ل.ل في العام 2025 التي تعادل 4.974 مليارات د.أ، في حين أنّ موازنة العام 2019 كانت تعادل 17.37 مليار د.أ، أي أنّ الإنخفاض في العام 2026 بلغ 66%.
ـ الزيادة في إجمالي الموازنة: 93.202 مليار ل.ل وبنسبة 21%.
ـ الزيادة في النفقات الإستهلاكية (الإنفاق الجاري): 80.144 مليار ل.ل وبنسبة 20%.
ـ الزيادة في نفقات التجهيز والإنشاء (البنى التحتية): 13058 مليار ل.ل وبنسبة 25%.
ـ الزيادة في الواردات العادية أي الضرائب والرسوم وحاصلات أملاك الدولة ومن المؤسسات العامة: 93202 مليار ل.ل وبنسبة 21%.
لم تلحظ الموازنة الزيادة في الواردات الإستثنائية، أي العجز، فلا زيادة ظاهرة في مشروع الموازنة، وهذا يخالف الواقع والحقيقة، حيث كان يقتضي تضمين الموازنة القروض المعقودة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بقيمة نحو 650 مليون د.أ، وهذا مخالف للمادة 83 من الدستور ومبادئ الموازنة، ولا سيما منها مبدأ الشمول الذي يقضي بأن تكون الموازنة شاملة نفقات الدولة وإيراداتها أياً كان نوعها. وهكذا يتبين أنّ الحكومة قد عادت إلى سياسة الإستدانة التي كانت في أساس الإنهيار الشامل في البلاد من دون الإفصاح عنها.
إنّ موازنة العام 2026 كسابقاتها، أُعدّت في خضم أزمة إقتصادية مالية نقدية معيشية لم يسبق للبنان أن شهدها وفي ظروف سياسية معقّدة، وفي ظل اعتداء إسرائيلي متواصل ألحق بلبنان خسائر فادحة قدّرها البنك الدولي بـ11 مليار دولار أميركي، وهذه الموازنة جاءت لتوسيع هذا الإنهيار وتعميقه.
فقد خصّصت في موازنة 2026 لإعتمادات الإنشاء والتجهيز، أي النفقات الإستثمارية في البنى التحتية، نحو 64 ألف مليار ل.ل، ما يعادل 12% من إجمالي موازنة العام 2026، وتتضمن نفقات الإستملاكات والتجهيزات والإنشاءات والصيانة.
أما اعتمادات قوانين البرامج والمقدّرة بـ 1103 مليار ل.ل، ومنها تجهيزات لمصلحة الجيش ومقدّرة بـ 440 مليار ل.ل، فقد تمّ ترحيلها من 2021 إلى 2027 ضمناً، وأسقطت بالتالي اعتماداتها كافة، وما كان مخصّصاً منها للعام 2026 ومقداره 425 مليار ل.ل، قد رُحّل إلى السنوات اللاحقة.
وتبيّن مما تقدّم، بأنّ الموازنة لم تلحظ الأموال اللازمة لإعادة إعمار ما هدّمه العدو الصهيوني، أو لتأمين الخدمات الأساسية للمواطن من مياه وكهرباء ومواصلات واتصالات وطرق ومبانٍ حكومية، على رغم من وعود رئيس الحكومة. هذا يعني أنّ السلطة تركت على المواطن عبء تأمين هذه الخدمات من ماله الخاص، بالإضافة إلى تدفيعه رسوم هذه الخدمات شبه المعدومة. وبذلك تفرض الحكومة أوضاعاً معيشية بائسة، من بينها الحرمان من الحصول على الطعام أو الدواء وفقاً للمعدّلات الكافية، الأمر الذي سيجبر المواطنين على العيش في ظروف ستؤدي حتماً إلى البؤس والفقر، حيث بلغت نسبة الفقراء وفقاً لمعايير تعدّد أبعاد الفقر إلى 78.7%، في حين يتوجب على الحكومة تأمين الرفاهية والسلامة لشعبها.
لقد بلغت النفقات الجارية نحو 474 ألف مليار ل. لما يقارب 88% من إجمالي الموازنة منها:
ـ نفقات المواد الإستهلاكية 53949 ملياراً، نفقات الخدمات الإستهلاكية 5119 ملياراً، نفقات موظفي القطاع العام 295645 ملياراً، فوائد الدين العام 25980 ملياراً، مساهمات لغير القطاع العام 10201 مليار، نفقات البنى التحتية 64414 ملياراً.
ومن الأهمية الإشارة إلى أنّ نفقات موظفي القطاع العام بلغت 295.645 ملياراً ما نسبته 54.91% من إجمالي الموازنة و 62.37% من الإنفاق الجاري، إلّا أنّها من ناحية القدرة الشرائية مقيّمة بالدولار تساوي نحو 3.303 مليارات د.أ فقط، وهي تساوي 44% فقط من القدرة الشرائية للرواتب عام 2019، عندما كان سعر الصرف 1507.5 ل. ل
ومن المفارقات العجيبة، أن تتفق الحكومة ومجلس النواب على خفض الإعتمادات المخصصة للرواتب والأجور ومخصصاتها في القطاع العام بقيمة 5473 مليار ل.ل من الإعتمادات المخصصة في مشروع موازنة الحكومة المحال إلى مجلس النواب والمقدّرة بـ 301.118 مليار ل.ل، بحيث أصبحت في الموازنة المقرّة في مجلس النواب 295.645 مليار ل.ل، على رغم من الإحتجاجات والتظاهرات التي ملأت الشوارع والساحات أثناء مناقشة الموازنة في مجلس النواب.
ومن المفارقات الغريبة، أنّ السلطة خصّصت للإنفاق الإستثماري 64 ألف مليار، في حين خصّصت لفوائد الدين العام 26 ألف مليار على رغم من أنّها أعلنت ومنذ آذار 2020 عن عجزها عن تسديد أصل الدين العام وخدمته بالعملتين الوطنية والأجنبية، ولم تتضمن هذه الموازنة أي نص يتعلق بمسألة الدين العام الذي كان أساس الإنهيار المالي والنقدي. والجدير ذكره أنّ الإنفاق الإستثماري يتضمن 31.238 مليار ل.ل نفقات صيانة أي ما يعادل 48% والإنشاءات 31.708 مليار ل.ل بنسبة 49% فقط والبقية إستملاكات وخلافه.
أما الإنفاق على الشأن الإجتماعي فقد كان كما يلي:
نفقات حماية البيئة 3104 مليار ليرة، الإسكان والمرافق الإجتماعية 6281 مليار ليرة، الصحة 47457 مليار ليرة، التعليم 50675 مليار ليرة.
وعليه فقد انخفضت نسبة الإنفاق على الصحة التي بلغت 8.81% بدلاً من 13.17% عام 2024 بانخفاض 4.36% أي الثلث تقريباً في سنة 2026، والإنفاق على التعليم 9.41%، بينما كان في السنوات السابقة حوالى 8.7%، بالرغم من تزايد أعداد الوافدين إلى المدارس الرسمية بسبب غلاء أقساط التعليم الخاص، وهذا يعني أنّ أهم شأنين إجتماعيين هما الصحة والتعليم ويمسّان حياة كل المواطنين، ولا سيما منهم الفقراء والمعوزون وأصحاب الدخل المحدود، لا يتجاوز 18.22%، مما يعني أنّ الحكومة تتعمّد جعل المواطن من دون علم أو صحة أو في مستويات متدنية جداً.

The post موازنة العام 2026: إفقار دون إعمار (1/2) appeared first on Lebanon Economy.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى