مطار القليعات: جهوزيّة على الورق واقتصاد بلا أرقام

قبل أيّامٍ، أعلن وزير الأشغال العامّة والنقل، فايز رسامني، جدولًا زمنيًّا بين أربعة وخمسة أشهرٍ لإنجاز الأعمال اللازمة لـِ”جهوزيّة” مطار القليعات. وقال إنّ الوزارة ستتولّى، في المرحلة الأولى، إعادة تأهيل المطار والبدء بإعداد دفاتر الشروط للشركات المعنيّة، مضيفًا أنّ 26 شركةً عالميّةً أبدت استعدادها للاستثمار في المرحلة الثانية من الخطّة. في المقابل، حسم مجلس الوزراء ملفّ تلزيم إنشاء وتشغيل مطار رينيه معوّض – القليعات، مُقرًّا اعتماد مسارٍ جديد للتلزيم يُنهي خيار العقد بالتراضي مع شركة MEAS الذي كان قد اقترحه وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني والهيئة العامة للطيران المدني.
لكنّ المشكلة أنّ كلّ هذا الكلام يبدأ، عمليًّا، من كلمةٍ واحدة: “الجهوزيّة”. وكأنّنا أمام عمليّةٍ تقنيّةٍ بسيطةٍ لا يقاس نجاحها إلّا بعدد الأشهر. بينما الجهوزيّة في عالم الطيران ليست مرادفًا لوضع طبقة زفتٍ على المدرّج أو طلاء مبنىً قديم، ولا هي ترميمٌ سريعٌ يسبق الافتتاح. الجهوزيّة منظومة تشغيلٍ وسلامةٍ وإدارةٍ ومراقبةٍ وخدمات حدودٍ وأمنٍ وبنيةٍ تحتيّة. سلسلةٌ كاملةٌ يكفي أن تغيب منها حلقةٌ واحدةٌ ليصبح المطار “جاهزًا” على الورق فقط.
لذلك، عندما تقول الحكومة “أربعة أشهر”، يصبح السؤال الاقتصاديّ الحقيقي: أربعة أشهرٍ لأيّ نوعٍ من التشغيل؟ ولأيّ حجم حركة؟ وبأيّ مستوى التزامٍ بالمعايير؟ وبأيّ كلفة؟ ومن أين يأتي التمويل؟ هنا تحديدًا تصبح الإجابات نادرة، ويصبح الوعد الزمنيّ أقرب إلى أداة علاقاتٍ عامّةٍ منه إلى خطّة تشغيل.
نموذج الأعمال قبل عدد الأشهر
ما يحدّد قابليّة المشروع للحياة لا يمرّ عبر عدد الأشهر بل هو في الأسئلة التالية: ماذا نريد من القليعات؟ هل هو مطار ركّابٍ ثانٍ يخفّف الضغط عن بيروت؟ أم مطار شحنٍ وخدماتٍ يربط الشمال بسلاسل التصدير؟ أم تشغيلٌ مرحليٌّ محدودٌ يبرّر “فتح” المطار بأقلّ عددٍ ممكنٍ من الرحلات؟ كلّ خيارٍ يبدّل لائحة التجهيزات المطلوبة، وكلفة الاستثمار، ونوع المستثمر، وحتى شكل الإيرادات المتوقّعة. وعندما لا تقال هذه الأمور بوضوح، تصبح “الجهوزيّة” كلمةً مطّاطة: قادرةً على أن تعني كلّ شيء… وبالتالي قادرةً على ألّا تعني شيئًا.
ويبدو أنّ مطار القليعات عالقٌ في منطقة شدّ حبالٍ بين فكرتين: تشغيلٍ سريعٍ يثبت وجوده، ومسارٍ استثماريٍّ طويل الأمد يُبنى على شراكاتٍ وصيغ تلزيمٍ مختلفة. وهذه المنطقة بالذات تتحوّل في لبنان عادةً إلى مستنقع: مرحلةٌ أولى تصرف عليها الأموال من دون أن ترتبط بخارطة طريقٍ شفّافة، ومرحلةٌ ثانيةٌ تفتح لها أبواب “الاهتمام الدوليّ” من دون نشر إطارٍ جدّيٍّ لتوزيع المخاطر والعوائد. والنتيجة غالبًا أعمالٌ تنفّذ… ثم يتوقّف كلّ شيءٍ عند السؤال القديم نفسه: “ومن يدفع؟”.
وكانت “المدن” قد تواصلت مع وزارة الأشغال والنقل، للاستفسار عن تفاصيل المشروع، إلّا أن الوزارة أكّدت أن المشروع ما زال قيد التحضير، وعندما تتضح كل التفاصيل ستقوم الوزارة بنشرها والتصريح عنها.
“الاهتمام” ليس تمويلًا
أمّا حديث الوزير عن 26 شركةً عالميّةً “مهتمّة”، فيبدو جذّابًا في بلدٍ يعاني جفافًا استثماريًّا، لكنّه لا يحمل معنى اقتصاديًّا بذاته. لأنّ “الاهتمام” قد يكون رسالة نوايا عامّة، أو استيضاحًا أوّليًّا، أو دخولًا فعليًّا في منافسةٍ على التشغيل والتمويل. والفارق بين هذه المستويات ليس تفصيلًا. المستثمر في البنى التحتيّة لا يأتي بسبب خطابات الوزارات، بل بسبب وضوح النموذج: ما حجم الطلب المتوقّع؟ ما هي الإيرادات الممكنة؟ ما الرسوم التي ستفرض ومن يقرّرها؟ كيف تدار المخاطر السياسيّة والقانونيّة؟ ما الضمانات؟ وهل توجد هيئةٌ ناظمةٌ أو قواعد تشغيلٍ مستقرة؟ هذه ليست أسئلةً تقنيّةً للتجميل، بل شروط التمويل. ومن دونها تبقى “الشركات الـ 26” رقمًا.
في المقابل، عودة الجدل حول العقد الرّضائيّ مع MEAS تكشف جوهر الملفّ اللبناني: الصراع ليس على المشروع بحدّ ذاته بقدر ما هو على طريقة التلزيم. العقد الرّضائيّ يقدّم دائمًا كاختصارٍ للوقت والإجراءات، لكنّه عمليًّا يرفع كلفة المخاطر: يضعف المنافسة، يفتح الباب للتسعير غير التنافسي، ويحوّل المشروع إلى مادّة اشتباكٍ سياسيٍّ وقانونيٍّ منذ لحظة ولادته. أمّا الذهاب إلى مناقصةٍ عامّةٍ ودفاتر شروطٍ واضحةٍ فيبطئ المسار، لكنّه يمنح المشروع شرعيّةً سوقيّةً ويخفّف شكوك المستثمرين والمموّلين لاحقًا، خصوصًا في قطاعٍ حسّاسٍ يلامس سيادةً وأمنًا وحدودًا ومعايير دوليّة. وإذا صحّ أنّ مجلس الوزراء “نسف” مسار العقد الرّضائيّ واختار مسارًا آخر، فهذه ليست مناورةً إجرائيّةً فحسب، بل إشارةٌ إلى أنّ المشروع سيستخدم مجدّدًا كساحة توازناتٍ داخل السلطة قبل أن يصبح منشأةً اقتصاديّة.
التلزيم يحدّد الثّقة
لكن بعيدًا عن لعبة التلزيم، يبقى السؤال الأقدم: ما هو مطار القليعات ولماذا نحتاج إليه؟ المطار قائمٌ في عكّار، وتحوّل لسنواتٍ طويلةٍ إلى منشأةٍ خارج التشغيل المدنيّ المنتظم. والحاجة إلى مطارٍ رديفٍ ليست ترفًا. لبنان يعتمد عمليًّا على منفذٍ جوّيٍّ واحد، وأيّ منطقٍ لإدارة المخاطر يقول إنّ الاعتماد على نقطةٍ واحدةٍ يشبه وضع البلد كلّه على قاطع كهرباءٍ واحد: أيّ عطلٍ، سياسيًّا كان أو أمنيًّا أو تقنيًّا، يتحوّل فورًا إلى شلل. وجود مطارٍ إضافيٍّ يمكن أن يخفّف مخاطر التمركز، ويخلق هامشًا لوجستيًّا واقتصاديًّا، ويعيد وصل الشمال بسلاسل النقل. كما أنّ القليعات قد يحمل وظيفةً مختلفةً عن بيروت: شحنًا، حركةً موسميّة، أو خدماتٍ متخصّصةً تبنى حولها استثماراتٌ مساندة. لكنّ كلّ ذلك يبقى افتراضًا ما لم يتحوّلْ إلى خطّة.
القليعات ليس مشروعًا ينقصه الكلام، ينقصه ما هو أهمّ من الكلام: المال، والأرقام، والحوكمة. حتّى اللحظة لا توجد تصريحاتٌ واضحةٌ بشأن الميزانيّة المخصّصة لجهوزيّة المطار ضمن مهلة الأربعة أو الخمسة أشهر، ولا تفاصيل منشورةٌ عن حجم الأعمال ولا نطاق التشغيل المرحليّ ولا كيفيّة تغطية الكلفة: هل هي من اعتمادات الدولة؟ سلف خزينة؟ تمويلٌ استثماريٌّ قصير الأمد مقابل حقوق تشغيل؟ أم أنّ الفكرة قائمةٌ على “يتدبّرها القطاع الخاصّ” من دون أيّ إطارٍ واضح؟ غياب الرقم لا يعني فقط غياب الشفافيّة، بل يعني غياب القرار الاقتصاديّ نفسه: لا يمكنك تقييم جدوى مشروعٍ أو جديّته أو حتّى صدقيّة مهلة إنجاز، من دون معرفة كلفته ومصدر تمويله.
المال والأرقام والحوكمة
عندما تقول الحكومة “أربعة أشهر”، فهي تخلق توقّعًا عامًّا. لكنّ هذا التوقّع يتحوّل إلى عبءٍ إذا تبيّن أنّ المهلة تتعلّق بأعمالٍ شكليّةٍ لا تنتج تشغيلًا فعليًّا، أو أنّها تنجز الحدّ الأدنى من دون قدرةٍ على الاستمرار. التشغيل يحتاج نفقاتٍ تشغيليّةً متكرّرة: إدارةً وموظّفين وعقود خدماتٍ وجهاتٍ حدوديّةً وأنظمةً وتأميناتٍ ورقابةً. “الجهوزيّة” ليست كلفةً مرّةً واحدة، بل التزامٌ طويل. ومن دون إعلان هذا الالتزام، يصبح الوعد شبيهًا بفتح باب مؤسّسةٍ من دون أن تملك رواتب موظّفيها.
في النهاية، مطار القليعات ليس سؤالًا جغرافيًّا أو إنمائيًّا فقط، ولا هو صراع “شمال، مركز” كما يقدّم أحيانًا. هو فعلًا تحدٍ لطريقة الدولة في إدارة البنية التحتيّة: هل نبني أصولًا اقتصاديّةً قابلةً للحياة، أم ننتج ملفات تلزيمٍ قابلةً للتدوير؟ هل نريد مطارًا يخلق قيمةً مضافةً وسلاسل خدمات، أم نريد عنوانًا سياسيًّا جديدًا يملأ فراغ النقاش العام؟
The post مطار القليعات: جهوزيّة على الورق واقتصاد بلا أرقام appeared first on Lebanon Economy.

