قانون الفجوة قد يحرم 550 ألف مودع من حقوقهم وسيدمّر القطاع المصرفي

بدأت تتكشف بوضوح المخاطر التي تواكب مسعى الحكومة اللبنانية إلى عقد اتفاق تعاون وتمويل مع صندوق النقد الدولي بأي ثمن. ومن الواضح أن الحكومة التي كانت تعتبر أنها قدمت تضحيات كبيرة في إقرار مشروع قانون الفجوة المالية بالطريقة التي اقترحتها، وظنت أنها بهذه الطريقة، قدمت أوراق اعتمادها لدى الصندوق لإبرام الاتفاق المنشود، فوجئت بعد زيارة وفد الصندوق إلى بيروت أنه يريد أكثر بكثير مما قدمت.
وفي المعلومات أن الصندوق طلب من المسؤولين الحكوميين استرداد مشروع القانون وتعديله وفق الشروط التي يريدها الصندوق، وعدم الاعتماد على مجلس النواب لإجراء التعديلات المطلوبة. هذه المسألة جرت مناقشتها في الغرف المغلقة، واتفق بعد النقاشات على عدم إعادة سحب المشروع من المجلس النيابي لسببين:
أولًا- لأن لا شيء يضمن هذه المرة أن مشروع القانون سيمرّ في مجلس الوزراء، بعدما كان تعرّض لانتقادات جمّة، ومرّ بشق النفس.
ثانيًا- لأن الانطباع العام جراء سحب المشروع سيكون سلبيًا، وسينكشف حجم الانصياع الحكومي لشروط صندوق النقد.
هذا السببان دفعا إلى ترجيح كفة عدم سحب مشروع القانون، واستعاضت الحكومة عن ذلك، باتصالات حثيثة تهدف إلى تشكيل لوبي نيابي من الأطراف السياسية بهدف تحقيق أمرين:
أولًا- تشريع مسار بدء مناقشة مشروع قانون الفجوة المالية في أقصى سرعة ممكنة.
ثانيًا- ضمان إدخال التعديلات التي يطلبها صندوق النقد على المشروع، وفي مقدمها مسألة تراتبية المطالبات (Hierarchy of claims)
هذا المناخ غير الصحي الذي يواكب مسار قانون الفجوة المالية، يمكن التصدّي له من خلال مواقف قد تتخذها كتل نيابية وازنة ترفض السير بنهج تدميري قد يدفع ثمنه الاقتصاد الوطني لاحقًا.
كارثة بالأرقام
في موازاة هذا المناخ المُقلق، تم تسجيل تطور آخر قد يساهم في وضع النقاط على الحروف، تمثل بإنجاز دراسة تفصيلية تولتها شركة الاستشارات العالمية “أنكورا” (Ankura) أظهرت النتائج التي سيفضي إليها تطبيق مشروع قانون الفجوة المالية كما اقترحتها الحكومة.
هذه الدراسة جرى إطلاع رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان عليها، وكذلك اطلع عليها رئيس لجنة الإدارة والعدل جورج عدوان، وقد استندت فيها الشركة إلى معطيات 25 مصرفًا، تمثل نسبة 92 % من مجموع حجم القطاع المصرفي اللبناني.
في التفاصيل تورد الدراسة نوعًا من المحاكاة للمسار الذي سيتم اتباعه لتنفيذ القانون في حال إقراره كما ورد من الحكومة.
تبين دراسة “أنكورا”، أن تنفيذ الجزء الأول من المشروع والذي يقضي بتسديد الودائع ما دون المئة ألف دولار، نقدًا، وعلى مدى أربع سنوات، ومن دون حسم ما دفع سابقًا وفق التعميمين 158 و166، سيؤدي إلى التالي:
في السنة الأولى: عشرة مصارف فقط ستكون قادرة على دفع المطلوب منها.
السنة الثانية: ثمانية مصارف فقط ستواصل الدفع.
السنة الثالثة: سبعة مصارف ستبقى صامدة.
السنة الرابعة: ستة مصارف بينها أربعة كبيرة، ستكون قادرة على مواصلة الدفع.
والخطير أكثر في هذه الأرقام، أن التقديرات التي خلصت إليها الدراسة أن حجم المطالبات (الودائع) التي ستكون بلا سيولة في مجموع المصارف العاجزة عن مواصلة الدفع وفق القانون المقترح، تصل إلى 29,1 مليار دولار. فمن أين سيتم تعويض المودعين هذه المبالغ؟ والرقم الآخر الذي لا يقل خطورة، يتعلق بعدد المودعين الذين ستعجز المصارف عن دفع أموالهم نقدًا، اذا تم احتساب الاحتياطي الالزامي في مصرف لبنان على أساس أنه للبنك المركزي، وإذا لم يتم حسم ما دفع وفق التعميمين 158 و166، إذ سيكون هناك 550 ألف مودع لم يحصلوا على أموالهم ضمن فئة المئة ألف دولار.
لكن هذا المشهد قد يختلف تمامًا في حال احتساب الاحتياطي الالزامي في مصرف لبنان على أساس أنه للمصارف، وبالتالي تستطيع المصارف استخدامه في تسديد حصتها. في هذه الحالة سيكون هناك 23 مصرفًا من أصل 25 مصرفًا، قادرة على مواصلة الدفع طوال السنوات الأربع الأولى، ولن يكون هناك سوى 25 ألف مودع لن يتمكنوا من تحصيل حقوقهم المالية كاملة. وهذا الفارق في الرقم بين 550 ألف مودع، و25 ألف مودع، يعطي فكرة واضحة عن الفروقات التي قد تحصل وفق أسلوب المعالجة، وما يمكن الاتفاق عليه بين الدولة ومصرفها المركزي من جهة، وبين مصرف لبنان والمصارف من جهة أخرى.
في النتيجة، توضح الدراسة الخلاصة التي يمكن أن يصل إليها البلد إذا تم تطبيق القانون المقترح بلا تعديلات. إذ سيؤدي مشروع قانون تسوية الديون المتعثرة الحالي إلى عرقلة الانتعاش الاقتصادي الأوسع نطاقًا في لبنان، وذلك من خلال ضرب القطاع المصرفي المحلي فعليًا، والقضاء على القناة الرئيسية للوساطة المالية والائتمان اللازمين لنمو القطاع الخاص. كما سيؤدي ذلك إلى استمرار اعتماد لبنان على النقد.
وتوصي الدراسة بأنه من أجل حماية المودعين، والحفاظ على النظام المالي، ودعم الانتعاش الاقتصادي في لبنان، فإن التعديلات المقترحة على تنفيذ مشروع قانون تسوية الديون المستحقة على النظام المالي ستكون لها آثار إيجابية إذا تم اتباع الإجراءات التالية:
1. اعتراف الدولة بالديون الكبيرة المستحقة لمصرف لبنان، والامتثال للالتزامات القانونية بموجبات المادة 113 من قانون النقد والائتمان، مما يخفف العبء على البنوك ومصرف لبنان.
2. استخدام مصرف لبنان جزءًا من احتياطيات الذهب لتوفير السيولة اللازمة لسداد أول 100 ألف دولار مستحقة للمودعين.
3. استخدام الاحتياطيات الإلزامية التي تحتفظ بها البنوك لدى مصرف لبنان كجزء من تقاسم الأعباء بين البنوك التجارية، مما يقلل السيولة المطلوبة لسداد أول 100 ألف دولار من أرصدة المودعين.
4. خصم أي مدفوعات سبق سدادها للمودعين بموجب التعميمين 158 و166 من العبء النقدي، لضمان عدم احتساب هذه المبالغ مرتين.
5. تعديل آلية توزيع الخسائر لمعالجة الفجوة في مصرف لبنان المركزي من خلال إعطاء الأولوية لشطب الشوائب قبل تطبيق الخسائر على حقوق ملكية البنوك، مما يسمح لمزيد من المؤسسات المصرفية بالبقاء برأس مال إيجابي.
6. من الضروري وجود يقين قانوني وجدوى مالية (عبر هيكل مستدام للأوراق المالية المدعومة بالأصول) لتوفير الثقة بأن تطبيق قانون تسوية الودائع المالية سيكون “مرة واحدة ونهائية”، مما يقلل من مخاطر إفلاس البنوك على المديين القصير والمتوسط، الأمر الذي سيؤثر على استرداد الودائع.

The post قانون الفجوة قد يحرم 550 ألف مودع من حقوقهم وسيدمّر القطاع المصرفي appeared first on Lebanon Economy.



