حكومة تسرق بالضريبة وتتبرّع بالزيادة وتضخّم مُمنهج على حساب الشعب

في لبنان، لم تعد القرارات المالية أرقامًا في الجريدة الرسمية، بل فواتير تُدفع من لحم الناس الحي.
زيادة على رواتب القطاع العام؟ رد جميل على الورق.
لكن حين تُموَّل عبر رفع الضريبة المضافة وزيادة البنزين ورسوم الاستيراد، تصبح الزيادة مسماراً جديداً في نعش القدرة الشرائية.
فالمواطن الفقير لا يقرأ الجداول الاقتصادية هو يقرأ سعر ربطة الخبزسعر تنكة البنزين وسعر الدواء.
وحين ترتفع كلفة النقل، ترتفع معها كل السلع. حتى تلك غير الخاضعة للضريبة. لأن السوق في لبنان لا ينتظر التعاميم، بل يستبقها بالخوف وما أدراك ما التجار في لبنان.. وهنا يصح عكس القول.. التاجر أكل مال الفاجر.
ببساطة إنها لعبة نقل الجيوب كما تنقل الحقائب من يد الى أخرى وهذه اللعبة هي من كتابة وإخراج الكبار أما التمثيل فقد الفقراء على ها النوع من الأدوار الرخيصة.
ما يحصل اليوم ليس إصلاحاً، بل هو نقل أموال من جيبٍ متعب إلى جيبٍ منهك، والدولة تقول إنها تصحّح رواتب، لكنها لا تصحّح النظام الذي دمّر قيمة هذه الرواتب أصلا، فبدلا من مواجهة التهرب الضريبي، تُفرض ضرائب غير مباشرة تضرب الفقير قبل الغني، وبدلا من ضبط المعابر، يُترك التهريب ينخر الاقتصاد، وبدلاً من إعادة هيكلة القطاع العام، يُحمَّل المواطن كلفة تضخمٍ إداري صنعته المحاصصة، وهكذا يتحول القرار المالي إلى عقوبة جماعية، بينما أصحاب الرساميل الكبرى يعرفون دائماً كيف يمرّون بين الثقوب.
فرفع البنزين يعني ارتفاع النقل، وإرتفاع النقل يعني زيادة كلفة الإنتاج، والاستيراد وزيادة الكلفة تعني تضخما سريعا أما النتيجة ؟
الراتب يكبر رقماً ويصغر قيمة وزيادة اليوم قد تصبح مطالبة جديدة غداً والحلقة تدور بلا إنتاج، بلا إصلاح، بلا رؤية
وهذا هو البلد وهكذا يحكم منذ خمسون عاما الى اليوم وأظن ان لا شيء سيتغير في المستقبل وبا ت من المؤكد أن هذا الحكم هو ديكتاتوري وراثي للأزل.
ولكن من يدفع ثمن فاتورة هذا التضخم الذي بات معروفا أنه السارق الصامت ؟
ليس صاحب الاحتكار وليس من يحوّل أرباحه إلى الخارج، أو من يستفيد من اقتصاد الظل، بل الذي يدفع هو
الموظف الذي ينتظر آخر الشهر كمن ينتظر الأوكسجين، والمتقاعد الذي أصبح راتبه ذكرى، والعامل اليومي الذي يعيش على حافة الانهيار، في بلد بلا شبكة أمان اجتماعي حقيقية، تصبح كل ضريبة إضافية صفعة مباشرة للفقراء.
الحل ليس في الجباية… بل في البناء
فإذا كانت الدولة تبحث عن تمويل لتغطية العجز، فالحلول ليست غامضة وهي واضحة لكن تحتاج قراراً شجاعاً
مكافحة التهرب الضريبي والجمركي بصرامة فعلية
فرقمنة الجمارك، إقفال المعابر غير الشرعية، توحيد الجباية إلكترونياً
المليارات الضائعة تكفي لتغطية زيادات بلا فرض ضرائب جديدة
إعادة هيكلة القطاع العام
تقييم حقيقي للوظائف، إنهاء التوظيف السياسي واعتماد الكفاءة
قطاع عام فعّال أقل كلفة وأكثر إنتاجية
إغلاق الكثير من الوزارات أو دمجها
استثمار أصول الدولة بدل بيعها أو إهمالها
تشغيل المرافئ والمطار وفق شراكات شفافة
إعادة صياغة عقود الأملاك البحرية وكيفية إستثمارها بشكل مربح.
إطلاق مشاريع طاقة متجددة تخفّض فاتورة الكهرباء المزمنة التي يدفعها المواطن مرتين.
تطوير قطاع الاتصالات ليكون مصدر دخل لا صندوق هدر
تشجيع الاقتصاد المنتج
موت السوق السوداء
العمل الجدي على التنقيب بالبحر وباليابسة والنفط موجود في أرض لبنان وبحره.
تحفيز الصناعة والزراعة والسياحة بدل خنقها بالرسوم وعدم حمايتها فإعفائها بالكثير من الضرائب هو المطلوب
كل دولار إنتاجي أفضل من عشرة دولارات جباية قسرية.
تشجيع الإستثمارات الخارجية
تأمين وتسهيل عمل الشركات العالمية للإستثمار في لبنان
التعويل على سفارات لبنان في الخارج العمل مع مجالس العمل اللبنانية المنتشرة ورجال الأعمال على الإستثمار في لبنان بمشاريع مدروسة مبنية على أسس مالية وقانونية تعود بأرباح على الصعيد الإجتماعي والفردي والمؤسساتي.
وهنا لن نسمح للدولة بأن تقول لنا أنها غير قادرة أو ما خلّوها بل سنقدم لها مثال يحتذى به عن ما قامت به دولة الأرجنتين على أمل أن تتعلم حكومتنا من هذا النموذج وتسعى الى تطبيقه على أرض لبنان.
فما حدث في الأرجنتين ليس مجرد “إصلاح اقتصادي” بل هو أكبر مختبر مالي مفتوح في العالم حالياً والعالم كله يحبس أنفاسه: هل ستنجح نظرية “السوق الحر” المتطرفة حيث فشلت إشتراكية الدولة؟
الرئيس خافيير ميلي لم يأت بحلول وسط، بل جاء بمنشار كهربائي ونسف أقدس القواعد التي عاشت عليها الأرجنتين لعقود المعادلة التي طبقها قاسية جداً ولكنها دقيقة رياضياً.
إيقاف طباعة الأموال + تصفير العجز المالي = موت التضخم
وهنا الأرقام لا تكذب، فالوحش الذي كان يأكل مدخرات الناس وهو التضخم تم ترويضه في زمن قياسي، والميزانية حققت فائضاً لأول مرة منذ 2008 والأسواق العالمية صفقت وصندوق النقد الدولي أشاد بـ المعجزة لكن لكل دواء أعراض جانبية خطيرة
في الاقتصاد، عندما توقف ضخ المال الرخيص فجأة، تدخل الدولة في حالة “انكماش” مؤلم والأسعار التي كانت رخيصة بشكل وهمي أصبحت عالمية وحقيقية، بينما الرواتب لا تزال محلية. اختفت طوابير الخبز، لكن ظهرت طوابير الغلاء
والدرس الذي تقدمه بوينس آيرس للعالم اليوم قاس وواضح ولكنه درس هو للتاريخ.
فالخروج من جحيم الإفلاس ليس مجانياً. الفاتورة يجب أن تدفع، إما ببطء عبر تضخم يأكل الجميع لسنوات، أو بسرعة عبر “صدمة” تكسر العظام لكنها تجبر الجسم على التعافي
الأرجنتين اختارت الطريق الصعب.. والسؤال الآن ليس هل انخفض التضخم ؟ بل هل سيتحمل المجتمع هذا الألم حتى يكتمل الشفاء؟
لبنان لا ينقصه المال فقط بل ينقصه القرار وكل شيء يبنى على قرار ولا شيء يأتي من فراغ والفقراء لم يعودوا يحتملوا تجارب مالية، والطبقة الوسطى تذوب بصمت، أما أصحاب السلطة والمال ما زالوا يتحدثون بلغة الأرقام، فيما الناس تتحدث بلغة البقاء، والعدالة الاقتصادية لا تبدأ بزيادة ضريبة، بل تبدأ حين يدفع القادر حصته العادلة، وحين تتحول الدولة من جابي ضرائب إلى صانع فرص، فلبنان ليس خزنة تُفتح كلما احتاجت السلطة مالاً، لبنان وطن وأهله ليسوا صرّافاً آلياً.
The post حكومة تسرق بالضريبة وتتبرّع بالزيادة وتضخّم مُمنهج على حساب الشعب appeared first on Lebanon Economy.




