سياسة الدولة المالية.. ماذا تجبي وأين تُنفق؟

أدّى السجال القائم حول الزيادات الضريبية إلى عودة الاهتمام بالسياسة المالية المتّبعة حاليًا، بما في ذلك حجم الفوائض التي تحقّقت في الميزانية العامّة للدولة العام الماضي، وكيفيّة استخدام هذه الفوائض خلال العام الحالي. كما طرحت الزيادات تساؤلات حول تأثير الرسم والزيادات الجديدة على بنية المالية العامّة، وتوزّع النفقات والإيرادات في موازنة الدولة. وللإجابة على هذه الأسئلة، قد يكون من المفيد العودة إلى أرقام موازنة العام الحالي، التي جرى نشرها مؤخراً، ومن ثم دراسة تأثير التطوّرات الأخيرة على الأرقام.
هيكليّة الإيرادات العامّة
خلال عام 2025، ارتفع حجم الإيرادات العامّة (المُحقّقة فعلياً) إلى قرابة 6 مليارات دولار أميركي، ما شكّل زيادة بنسبة 20% وبقيمة مليار دولار أميركي، مقارنة بإيرادات العام السابق 2024. مع الإشارة إلى أن حجم الإيرادات التي تم ترقّبها سابقًا في موازنة العام 2025 لم يتجاوز 5 مليارات دولار أميركي، ما يعني أنّ الإيرادات الفعليّة تجاوزت أيضًا الإيرادات المتوقّعة مسبقًا في الموازنة.
وعلى هذا الأساس، جرت إضافة هذه الزيادات إلى موازنة عام 2026، عند تقدير حجم الإيرادات المرتقبة للعام الحالي، ما رفع حجم الإيرادات في موازنة عام 2026 إلى 6 مليارات دولار أميركي. وعند التدقيق في أرقام الموازنة، يمكن تفنيد هيكليّة الإيرادات المتوقّعة على النحو التالي:
– الرسوم والضرائب على الاستهلاك الداخلي: شكّلت هذه البنود أكثر من 47.5 بالمئة من الإيرادات المتوقّعة، ما يجعلها الكتلة الأكبر من بين جميع أبواب الإيرادات. ومن المعلوم أنّ هذه الكتلة تشمل الضريبة على القيمة المضافة، بالإضافة إلى سائر الرسوم المفروضة على السلع والخدمات.
– الرسوم والضرائب على التجارة الدوليّة: شكّلت ثاني أكبر باب من أبواب الإيرادات، وبنسبة بلغت 13.7 بالمئة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الفئة الأكبر، ضمن هذا الباب من الإيرادات تتشكّل من الرسوم الجمركيّة المفروضة على السلع المستوردة.
– الضرائب على الدخل: وتدخل ضمنها الضرائب المباشرة على الأرباح والرواتب، وتبلغ نسبتها من إجمالي الإيرادات قرابة 10.7 بالمئة.
– الإيرادات غير الضريبيّة: كحال الإيرادات من قطاع الاتصالات وغيره من القطاعات التي تعمل فيها الدولة، وتبلغ نسبتها من إجمالي الإيرادات نحو 18.39 بالمئة.
– الضريبة على الممتلكات: ويدخل ضمنها الضريبة على الأملاك العقاريّة ورسوم الانتقال العقاري، وتبلغ نسبتها 6.69 بالمئة من إجمالي إيردات الدولة.
– الإيرادات الأخرى المتفرقة، ولا تتجاوز نسبتها الـ 3.02 بالمئة من إجمالي الإيرادات.
بهذا الشكل، تعكس هيكليّة الإيرادات الخلل البنيوي الموجود في ميزانيّة الدولة منذ التسعينات، حيث ما زالت الضرائب المباشرة -التي تتصاعد بحسب دخل المُكلّف- تقتصر على نسبة ضئيلة من الإيرادات العامّة (10.7 بالمئة فقط). ومن المعلوم أن الخروج من هذا النموذج يستوجب انتقالًا جذريًا يعيد تصميم النظام الضريبي المُعتمد، وهو ما يتخطّى نطاق الإجراءات المعمول بها في الموازنة وحدها. وفي الوقت الراهن، من المرتقب أن تطرح وزارة المالية مقترح مرسوم مشروع قانون، لتعديل نظام ضريبة الدخل، فيما لم تتضّح بعد طبيعة التعديلات التي سينص عليها هذا المقترح.
المشكلة الثانية التي تبيّنها هذه الأرقام، هي أنّ قيمة الإيرادات المرتقبة، رغم ارتفاعها الملحوظ، ما زالت تقل عن ثلث حجم الإيرادات التي كانت تحصّلها الدولة قبل حصول الأزمة عام 2019. وهذا ما يعني أنّ الدولة ما زالت بعيدة عن استعادة فعاليّة ودور القطاع العام داخل الاقتصاد، ما لم تتمكّن من إعادة تصحيح حجم الإيرادات والنفقات بشكلٍ متدرّج. مع العلم أن جزءًا من هذا المسار يفترض أن يتم عبر تقليص نطاق الاقتصاد غير النظامي، فيما يفترض أن يمرّ جزءٌ آخر منه باستعادة حجم الناتج المحلّي نفسه لزيادة قيمة الأنشطة الاقتصاديّة الخاضعة للضريبة.
هيكليّة النفقات العامّة
من ناحية أخرى، تكشف موازنة العام الحالي بنية الإنفاق المتوقّعة، بحسب الاعتمادات المرصودة لكل باب، وذلك على الشكل التالي:
– المنافع الاجتماعيّة: شكّلت البند الأهم داخل الموازنة، بنسبة تقارب الـ 27.25 بالمئة. مع الإشارة إلى أنّ هذه المنافع تشمل التعويضات الممنوحة لموظفي القطاع العام وأسرهم.
– الرواتب والأجور: شكّلت البند الثاني من حيث الحجم، في الموازنة، وبنسبة بلغت 23.66 بالمئة. وهذا البند يفترض أن يشهد المزيد من الارتفاع، من حيث النسبة، بعد قرار تصحيح أجور موظفي ومتقاعدي القطاع العام.
– النفقات الرأسماليّة: ظلّت تشكّل نسبة ضئيلة من إجمالي الموازنة، وعند مستوى لا يتجاوز الـ 12 بالمئة.
– النفقات الإدارية، ومنها تلك المخصّصة لتشغيل الإدارات العامّة: ظلّت عند مستوى ضئيل يقارب الـ 10 بالمئة.
– النفقات الأخرى، ومنها التحويلات للمؤسّسات العامّة، بلغت نسبتها 27.11 بالمئة.
هنا أيضاً، تتضوح عيوب هيكليّة في بنية النفقات، حيث تسيطر النفقات الجارية، وخصوصاً الرواتب والمنافع، على أكثر من نصف حجم النفقات العامّة، فيما تتدنّى قيمة الاستثمار في البنية التحتيّة، القادرة على توليد النمو الاقتصادي على المديين المتوسّط والبعيد. وهذا ما يشكّل إشكاليّة أساسيّة، في بلد يمرّ بأزمة اقتصاديّة، وينتظر الدخول في مسار التعافي المالي. غير أنّ السبب الأهم لهذه الإشكاليّة يكمن في محدوديّة الإيرادات العامّة، والاضطرار لتخصيص ما توفّر من هذه الإيرادات للنفقات الداهمة التي لا يمكن الاستغناء عنها، كتأمين الحد الأدنى من الرواتب والنفقات التشغيليّة.
على هذا النحو، تكشف أرقام الموازنة أن جوهر الأزمة لا يتربط برسم من هنا أو ضريبة من هناك، بل ثمّة اختلالات في بنية المالية العامّة. وهذا يعود للسياسات التي قام عليها النظام الضريبي منذ انتهاء الحرب الأهليّة، فضلاً عن تداعيات الأزمة الحاصلة منذ العام 2019، بما في ذلك تأثير تدهور سعر صرف الليرة على حجم الإيرادات العامّة. وعليه، ثمّة حاجة اليوم لإعادة تصميم النظام الضريبي، للتمكّن من زيادة الإيرادات أولاً، ومن ثم تعزيز الإنفاق الاستثماري ثانياً، مع إعادة الاعتبار لحجم الضرائب التصاعديّة المباشرة. وهذا ما يستدعي فتح النقاش حول مشروع قانون ضريبة الدخل، الذي يجري إعداده في وزارة المالية.
المدن
The post سياسة الدولة المالية.. ماذا تجبي وأين تُنفق؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.


