سوق سوداء على الطرقات اللبنانية!

لم يسلم أيّ قطاع من تداعيات قرار مجلس الوزراء القاضي بزيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، خطوة رفعت منسوب الأسعار بشكل حادّ وأثقلت كاهل المواطنين في كلّ تفاصيل حياتهم اليومية. تأثير هذا القرار كان مباشرًا على قطاع النقل، حيث شهدت الأسواق فوضى في الأسعار وفرض بعض السائقين زيادات فرديّة على التعرفة، ما زاد العبء على الموظفين والعمّال والطلاب الذين يعتمدون على وسائل النقل اليومية للوصول إلى أعمالهم ومدارسهم.
الغريب في المشهد أن المواطن اللبناني، ورغم الضغوط المُتصاعدة، ظلّ صامتًا، ولم يُعبّر عن رفضه بشكل فعّال، وكأن الصمت أصبح الخيار الوحيد لمواجهة واقع أصبح يفرض عليه تكاليف باهظة بلا مساءلة أو تنظيم. هذه الفوضى في الأسعار تُظهر مدى هشاشة الرقابة على قطاع حيويّ مثل النقل، وتؤكد أن القرار الرسميّ لم يصدر بعد، بينما المواطن هو الضحية الأولى لهذه اللعبة الاقتصادية.
الأمر يثير التساؤل: كيف يمكن للمواطن أن يحمي مصالحه ويواجه فوضى الأسعار، في ظلّ استمرار الغموض بشأن التعرفة الرّسمية وغياب أي آلية واضحة للمساءلة؟ الاستسلام الصامت للزيادات اليومية يعكس أزمة أوسع في العلاقة بين المواطن والدولة، ويجعل كلّ قرار اقتصاديّ جديد عبئًا إضافيًا على الفئات الأكثر تضرّرًا.
لا تعرفة رسميّة… بل فوضى
رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري بسام طليس، يجزم لـ “نداء الوطن”، أنه “حتى اللحظة، لا توجد أي تعرفة جديدة للنقل، وهي غير واردة أساسًا”، داعيًا “السائقين إلى عدم استغلال المواطنين، إذ إن مجرّد الإعلان عن تعرفة جديدة يعني القبول بقرار الحكومة”.
وفي هذا الإطار، يوضح طليس أن “التعرفة لها أصول قانونية واضحة، وهي تحتاج إلى موافقة وزير الأشغال العامة والنقل وإلى نقاش ضمن الإطار المختص”. وبالتالي، يعتبر أن “قيام عدد من السائقين بفرض زيادات فردية لا يعني إطلاقًا إقرار تعرفة جديدة. أي سائق يعمد إلى تقاضي زيادة خارج الأطر الرسمية يكون في موقع استغلال المواطن، وهنا يبرز دور الأجهزة الأمنية في اتخاذ الإجراءات المناسبة”.
في الوقت نفسه، يُشدّد طليس على أنه “من غير المقبول أن يقوم سائق أو اثنان أو ثلاثة بتشويه صورة قطاع بأكمله يضمّ عددًا كبيرًا من العاملين الملتزمين بالتعرفة الرسمية”.
في المقابل، يشير رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمّال والمستخدمين في لبنان (FENASOL) كاسترو عبداللّه لـ “نداء الوطن”، إلى أن “الأسواق شهدت ارتفاعًا في الأسعار، لا سيّما في ملف البنزين، حيث لا تتوافر معلومات دقيقة حول حجم المخزون الذي كان موجودًا لدى الشركات والمحطات قبل إقرار الزيادات. ومع ذلك، جاءت الزيادات في توقيت حسّاس، وانعكست مباشرة على المواطنين”.
في ما يتعلّق بقطاع النقل، يلفت إلى أن “الزيادات طالت قطاع النقل، فارتفعت تعرفة “الفان” بنسبة تقارب 50 في المئة، إذ انتقلت الكلفة من نحو 100 ألف ليرة إلى ما يُقارب 150 ألف ليرة، ما شكّل عبئًا إضافيًا على الموظفين والعاملين الذين يحتاجون إلى التنقل يوميًّا للوصول إلى أعمالهم”.
هذا الواقع، “يتطلّب التوقف عنده بجدّية، لما يحمله من تداعيات اجتماعيّة ومعيشيّة مباشرة على المواطنين. بدل أن تبادر الجهات المعنيّة إلى إيجاد حلول فعلية، جرى تحميل الناس أعباء إضافية. فقد رُفع بدل النقل إلى 150 ألف ليرة، كما زادت كلفة “السرفيس” بنسبة 50 % على التعرفة السابقة. وهذه ليست مجرّد أرقام، بل كارثة حقيقية تنعكس مباشرة على لقمة عيش المواطنين”، وفق ما يلفت عبداللّه.
يعتبر عبداللّه أن “ما يحصل يضع الناس في مواجهة بعضهم البعض، بما في ذلك موظفو الدولة، المتعاقدون، والعسكريون”.
كما يرى أن “الجهات المعنية والحكومية اعتادت أن تُحمّل المواطنين كلفة الأزمات، فيما ما جرى يُشبه ممارسة أشدّ أنواع الضغط في التعامل مع الناس، إذ وُضعوا في مواجهة بعضهم البعض. فبدل معالجة جذور الأزمة، بدا وكأن الفقير يُدفَع ليكون في مواجهة فقير آخر، ومن لا يملك المال يُطلب منه أن يأخذه من جيب من لا يملك أيضًا، في لعبة أدّت إلى تكريس مزيد من التفاوت”.
وعليه، يرى أن “السؤال الجوهري المطروح: كيف يمكن لقوى عسكرية وأمنية تقدّم التضحيات وتحمل أرواحها على أكفّها، أن تُموّل زياداتها من جيوب مواطنين فقراء أساسًا؟ وعندما يعترض أحد، يُقال له إن هؤلاء يضحّون بأرواحهم. لكن هل يُعالج ذلك بوضع الفقير في مواجهة الفقير؟ بهذه الطريقة، نُدفع جميعًا إلى صراع داخليّ بدل معالجة أصل المشكلة”.
تحرّكات قريبة وجدية؟
أمّا في ما يتعلّق بالتحرّك في الشارع، فيلفت طليس إلى أنه “إذا لم نصل إلى نتيجة واضحة بحلول يوم الثلثاء كحدّ أقصى، فسيكون يوم الخميس المُقبل “يوم غضب للسائقين”. فالمتضرّر لا يُمكن لومه على صوته ووجعه، لكن المطلوب أن يكون التحرّك منظمًا وواضح الأهداف”.
من جهته، يلفت عبداللّه إلى أننا “كاتحاد وطنيّ، وبالتعاون مع عدد من الاتحادات والنقابات والهيئات، نجري اتصالات مع زملائنا في القطاع العام للتحضير إلى لقاء وطني جامع، يهدف إلى نقاش جديّ ومسؤول لاتخاذ موقف حاسم، والبناء عليه للقيام بتحرك واضح على الأرض. هذا المسار قيد المتابعة، بانتظار تبلور موقف موحّد”.
من هنا، يوجّه نداءً إلى المواطنين: “إذا لم نتحرك، وإذا لم نواجه هذا الواقع، فستمرّ القرارات تباعًا، وسنجد أنفسنا نتحمّل المزيد من الأعباء تدريجيًا. لا يمكن البقاء أسرى الانقسامات والسّجالات، فيما القرارات المصيريّة تُتخذ من دون وضوح حول الاتجاه الذي تُؤخذ فيه البلاد”.
ويشدّد على أن “المطلوب من هذه السلطة، بكل مكوّناتها، من رئاسة الجمهورية إلى مجلس النواب ومجلس الوزراء وسائر الهيئات، أن توضح للناس بصدق: إلى أين نحن ذاهبون؟ وما هي الخطة الفعلية؟ فالمواطن ليس رقمًا ولا أداة، بل شريكًا أساسيًّا في هذا الوطن”.
كما يؤكد أن “الواقع لم يعد يُحتمل، وهذا الأمر بات برسم الناس جميعًا لتحمّل مسؤولياتهم والتحرّك ضمن الأطر السلمية والقانونية، لأن الاستمرار على هذا النحو يعني مزيدًا من الضغوط التي لم يعد المجتمع قادرًا على احتمالها”.
وإذ يأسف لأنه “في كثير من الأحيان، نتحرك بعكس مصالحنا الحقيقية، وننجرّ إلى سجالات تُبعدنا عن المطالبة بحقوقنا الاجتماعية والاقتصادية الأساسية. من هنا، لا بدّ من الجرأة في قول الحقيقة: كفى صمتًا عمّا يجري. المطلوب تحرّك واعٍ ومسؤول، لأن الاستمرار في هذا المسار يعني مزيدًا من الزيادات والضغوط، فيما تبقى القرارات تمرّ من دون مساءلة فعلية”، يشدّد عبداللّه على أن “اللحظة تتطلّب وعيًا جامعًا يضع المصلحة المعيشية فوق أي اعتبار آخر، ويؤكد أن الحقوق الاجتماعية لا تُجزأ ولا تُقاس بالانتماءات، بل تُصان بوحدة الموقف حول القضايا الأساسية التي تمسّ حياة الناس اليومية”.
يختم عبدالله بالقول: “المشكلة ليست في مبدأ التحرّك في حدّ ذاته، بل في طريقة تنظيمه. المطلوب أن تكون التحركات منظمة ومدروسة، لا مجرّد ردّات فعل آنية قد تُنفس الغضب من دون أن تحقق الهدف المطلوب. فالتجارب السابقة، ولا سيّما قطع الطرقات، أظهرت أن بعض أشكال الاحتجاج قد تنعكس سلبًا على المواطنين أنفسهم، فتضرّ بالناس الذين يعانون أصلًا من الظروف ذاتها. لسنا في موقع يؤيّد أي تحرك يؤذي مواطنًا فقيرًا يشبهنا في المعاناة. لا يجوز أن يتحوّل الاحتجاج إلى وسيلة ضغط على الناس بدل أن يكون موجّهًا نحو مكامن القرار والمسؤولية. لذلك، فإن أيّ تحرك يجب أن يكون منظمًا، واضح الأهداف، ويأخذ في الاعتبار مصلحة المجتمع ككل”.
في الخلاصة، الواقع اليوم لم يعد يحتمل المزيد من الفوضى والزيادات العشوائية، ولا يمكن للمواطن الاستمرار في تحمل الأعباء بمفرده بينما القرار الرسمي غائب والرقابة شبه معدومة. الحلّ ليس في الصمت أو القبول بما يُفرض، بل في تحرّك واعٍ ومسؤول، يضع مصلحة الناس وحقوقهم المعيشية في صلب أيّ قرار اقتصادي.
رماح الهاشم- نداء الوطن
The post سوق سوداء على الطرقات اللبنانية! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.


