إنذار سلام: هل تفقد رئاسة الحكومة معناها الدستوري؟

عُدّ اعتكاف رئيس الحكومة نواف سلام لحظة سياسية تتجاوز حدود الاحتجاج الشخصي، لتتحوّل إشارة إنذار تعكس أزمة عميقة في بنية الدولة. فالقرار الذي جاء عقب رفع «حزب الله» راياته وصور قادته على صخرة الروشة، رأه سلام تحدٍ مباشر لرئاسة الحكومة التي اتّخذت قرارا رسميا حكوميا يمنع استخدام الأملاك العامة لأغراض سياسية. الحدثان متلازمان: الأول يكشف عن سلوك يفرض وقائع على الأرض، والثاني يفضح عجز المؤسسات عن الدفاع عن قراراتها.
في بلد اعتاد على أشكال من الاعتكاف السياسي من رؤساء الحكومات، غالبًا ما ارتبطت تلك الخطوات بضغط داخلي أو بمناورة تفاوضية. غير أن ما قام به سلام يختلف في جوهره، إذ لم يكن مجرد انسحاب ظرفي، بل محاولة لتكريس مفهوم جديد للاحتجاج السياسي. فالرسالة التي أراد توجيهها واضحة: رئاسة الحكومة ليست هيكلاً شكليًا، وأي عجز عن تطبيق القرارات الصادرة عنها يفرغ الموقع من مضمونه الدستوري، ويحوّل السلطة التنفيذية إلى إطار فاقد للهيبة.
المفاعيل السياسية لهذه الواقعة واسعة. فهي تضع مسألة صلاحيات رئيس الحكومة في صلب النقاش مجددًا، بعدما بات التنفيذ رهينة التوازنات والضغوط. حين يتمكّن حزب من فرض رمزيته في قلب العاصمة، رغم وجود قرار حكومي معاكس، يصبح السؤال: هل للدولة قدرة فعلية على إدارة الفضاء العام وحماية رمزيتها، أم أن الواقع الميداني يعلو على المؤسسات؟ اعتكاف سلام بهذا المعنى ليس مجرد تعليق لمواعيد عمله، بل دعوة مفتوحة لمراجعة معنى السلطة وحدودها.
ردة الفعل داخل مجلس الوزراء مرشحة لتعمّق الانقسام. بعض القوى قد ترى أن تغطية موقف سلام ضرورة لحماية صورة الدولة، فيما سيعتبر آخرون أن المواجهة المباشرة مع الحزب مغامرة غير محسوبة. تضع هذه الثنائية الحكومة أمام مأزق وجودي: إما أن تؤكد حضورها عبر قرار واضح وصارم، وإما أن تتجه نحو مزيد من التآكل الداخلي.
اللافت أن ما جرى في الروشة تجاوز الداخل اللبناني ليصل إلى الخارج. فالمجتمع الدولي الذي يراقب لبنان ينظر إلى هذه الواقعة كاختبار جديد لمدى قدرة الحكومة على ممارسة سلطتها. حاول سلام أن يبعث برسالة بأن الشرعية في خطر، وأن أي التزام بالإصلاح أو بالاستقرار الأمني يظل هشًا إذا لم تُحمَ قرارات الدولة.
الأرجح أن الأزمة ستفتح الباب أمام سيناريوات قد تصل حدّ الدخول في مواجهة أطول واكثر حدة. وفي كل الحالات، تبقى الأزمة انعكاسًا لمعضلة أكبر: دولة تكتب القرارات لكنها عاجزة عن تنفيذها، وقوة سياسية تمتلك القدرة على فرض حضورها ولو على حساب صورة المؤسسات. الروشة لم تكن سوى نموذج، أما الصراع الحقيقي فهو حول من يملك الكلمة الفصل في لبنان.
The post إنذار سلام: هل تفقد رئاسة الحكومة معناها الدستوري؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.