كيف يتجاوز صاروخ “فتّاح-1” فرط الصوتي الإيراني أنظمة الدفاع الجوي؟ وما سر التقنية المستخدمة؟
اللافت في هذا الهجوم ليس فقط أنه تم بصاروخ واحد، بل في قدرته على اختراق منظومات الاعتراض الإسرائيلية والوصول إلى هدفه بدقة. ويطرح هذا الحادث تساؤلات جدية حول سبب فشل الدفاعات الجوية في التصدي له.
التحليل الأقرب للواقع يشير إلى أن منظومات الرصد الإسرائيلية ربما لم تتعامل مع الصاروخ بجدية عند اكتشافه، نظراً لمساره وسرعته التي بدت تقليدية في البداية، ما دفعها إلى تأجيل الاعتراض حتى دخوله المجال الجوي الإسرائيلي، على الأرجح باستخدام صاروخ أو صاروخين مخصصين لذلك.
غير أن المفاجأة كانت في طبيعة الصاروخ نفسه: يُعتقد أنه من طراز “فتّاح-1″، وهو صاروخ باليستي إيراني يتميز بمحرك نبضي دافع يمنحه سرعة هائلة في المرحلة النهائية من المسار. وبحسب التقديرات، فإن هذا المحرك يُفعل قرب نهاية الرحلة، ما يسمح للصاروخ بالوصول إلى سرعات تصل إلى 13 أو 15 ماخ، أي أسرع بكثير من السرعة التي بُنيت عليها حسابات الاعتراض.
النتيجة: صواريخ الاعتراض انطلقت نحو نقطة تقديرية بناءً على سرعة أولية غير دقيقة، بينما تجاوزها “فتّاح-1” بسرعة غير متوقعة، ليصيب هدفه قبل أن تُتاح فرصة لإطلاق صواريخ أخرى نحوه.
ومن المرجّح أن تكون إسرائيل قد استوعبت الدرس القاسي الذي حمله صاروخ اليوم. فإيران، على ما يبدو، لم تطلق هذا الصاروخ لمجرد توجيه ضربة محدودة، بل لاختبار رد فعل منظومات الدفاع الإسرائيلية، وربما أكثر من ذلك: إيقاعها في فخ مدروس.
اختيار إطلاق صاروخ واحد فقط قد يكون تكتيكاً مقصوداً من طهران، إذ أرادت أن تدفع الدفاعات الإسرائيلية إلى التهاون، بافتراض أنه تهديد محدود يمكن التعامل معه لاحقاً داخل المجال الجوي. وهذا بالضبط ما حصل. قررت الدفاعات الجوية الانتظار لتقدير موقع الاعتراض الدقيق، لكنها فوجئت بصاروخ “فتاح-1” بعد أن فعّل محركه النبضي الدافع، ففشلت في إصابته.
لكن هذا الدرس لن يمر مرور الكرام. على الأرجح، ستبدأ إسرائيل من الآن فصاعداً بالتعامل مع كل إطلاق صاروخي فردي، مهما بدا بسيطاً، على أنه تهديد جدي يتطلب رداً فورياً. وهذا بدوره سيفرض واقعاً جديداً قد يستنزف منظومات الدفاع الاستراتيجي مثل “آرو-3″، المصممة أصلاً لاعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وليس للتعامل مع كل تهديد تكتيكي.
وهكذا، فإن حسابات الكلفة – التي كانت حتى الآن من عوامل ضبط وتيرة الاعتراض – قد تتغير، مما يفتح الباب أمام استهلاك غير محسوب لصواريخ اعتراض باهظة الثمن. وهو بالضبط ما قد تسعى إليه طهران عبر إنهاك منظومات الدفاع الإسرائيلية تدريجياً، عبر استخدام الذكاء العملياتي لا الكثافة النيرانية فقط.
ويسلط هذا الحادث الضوء مجدداً على التحديات المتزايدة التي تواجهها أنظمة الدفاع الجوي التقليدية أمام الجيل الجديد من الصواريخ الباليستية عالية المناورة والسرعة، والتي يبدو أن إيران باتت قادرة على استخدامها بفعالية.


قدرات صاروخ “فتّاح-1”
يتساءل الكثيرون عن الصواريخ الإيرانية فائقة السرعة التي تظهر في مقاطع الفيديو، ولماذا تبدو غير قابلة للاعتراض.
الصاروخ المعني هو “فتاح-1″، بمدى يصل إلى 1400 كيلومتر، ويتجه باستخدام نظامي ملاحة داخلي بالإضافة إلى الأقمار الصناعية. يتميز هذا الصاروخ برأس حربي منفصل ينفصل عن جسمه في ذروة المسار الباليستي، ليواصل مساره نحو الهدف بواسطة الرأس الحربي فقط.
ما يميز رأسه الحربي عن باقي الرؤوس الإيرانية المنفصلة، هو وجود محرك صغير مدمج داخله، يأخذ حيزًا من مساحة الرأس، وهو السبب في صغر وزنه الذي يبلغ نحو 450 كيلوغرامًا فقط. يبدأ عمل هذا المحرك عند دخول الصاروخ إلى الغلاف الجوي، حيث يمنحه نبضة دفع قوية تزيد من سرعته المكتسبة خلال مساره الباليستي بشكل كبير، مع الاستفادة من قوة الجاذبية، ليصل إلى سرعة تقارب 13 إلى 15 ماخ (أي ما يعادل 16,000 إلى 18,000 كيلومتر في الساعة).
مهم جدًا تصحيح الفهم السائد حول وظيفة هذا المحرك، إذ لا يقوم الصاروخ بأي مناورات خلال الطيران كما أشارت معظم المصادر العسكرية، بل يقتصر دوره على توفير هذه النبضة الدافعة فقط.
تكمن قوة هذا الصاروخ في إطلاقه على شكل رشقات، حيث يصعب على منظومات الدفاع الجوي مثل “آرو-3″ و”SM-3” تمييزه خلال منتصف المسار، إذ يظهر كمجموعة صواريخ بسرعة متقاربة، مما يعقد مهمة اعتراضه.
قبل دخول الغلاف الجوي، تلتقط رادارات منظومات “آرو-2″ و”ثاد” الصاروخ كهدف عادي، لكنها تنتظر دخوله الغلاف الجوي لتبدأ التصدي. وعند دخول “فتاح-1” الغلاف الجوي وتفعيل محركه الخاص، تفقد هذه الرادارات القدرة على تتبعه، حيث تتجاوز سرعته حدود اعتراضها، ليصل إلى هدفه قبل أن تتمكن أي منظومة من التصدي له.
نقطة قوة إضافية تكمن في السرعة الفائقة للصاروخ، التي تمنحه طاقة حركية عالية جدًا، ما يضاعف تأثير رأسه الحربي ويعزز قدرته التدميرية. وهذا ما يفسر حجم الضرر الكبير الذي سببه في انهيار مبنى في تل أبيب مؤخرًا، رغم أن وزن الرأس الحربي لا يتجاوز 450 كجم فقط، وهو وزن يعتبر صغيرًا مقارنة بمدى الصاروخ. لكن سرعة “فتاح-1” الفرط الصوتية تساوي فعليًا قوة تفجيرية تعادل عدة أطنان من المواد المتفجرة.
المصدر: الموسوعة العسكرية السورية
مصدر الخبر
| نُشر أول مرة على: www.defense-arabic.com
| بتاريخ: 2025-06-20 14:54:00
| الكاتب: نور الدين
إدارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب أو الخبر المنشور، بل تقع المسؤولية على عاتق الناشر الأصلي