اقتصاد

إقتصاد ليبيا تجاوز شبح الإنهيار… لكن التعافي ما زال بعيداً


لم يكن العام المنصرم كغيره من أعوام الأزمة الليبية لجهة انعكاس الصراع السياسي على الوضع الاقتصادي ومستوى معيشة الليبيين، وقد بلغت ذروتها في نزاع على رئاسة المصرف المركزي استمر لنحو شهر، وتخلله إقفال حقول النفط الرئيسية، قبل أن تنتهي الأزمة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بتدخل دولي قادته الولايات المتحدة.

بدا التدخل الدولي حاسماً لجهة وضع خطوط حمر للمتصارعين المحليين لكون تهديد مستقبل أعلى سلطة مالية في البلاد، ووضع السياسة النقدية على المحك غير مسموح به. مع ذلك روعيت التوازنات في التشكيلة الجديدة لمجلس إدارة المصرف المركزي، فجاء المحافظ ناجي عيسى ممثلاً للعاصمة، فيما جاء نائبه مرعي مفتاح البرعصي ممثلاً للشرق ومجلس النواب، وتقاسم الأفرقاء أعضاء مجلس الإدارة بواقع ثلاثة أعضاء لكل فريق.

تعافي العملة المحلية
الخطوة انعكست سريعاً على تعافي العملة المحلية، بعدما شهدت انهياراً غير مسبوق في خضم الأزمة حتى تجاوز سعر صرف الدولار الـ ٨ دنانير في السوق الموازية، التي شهدت انكماشاً في التعاملات خلال الأسابيع الأخيرة مع تقليص المصرف المركزي القيود على فتح الاعتمادات الدولارية، ليراوح سعر صرف الدولار في السوق الرسمية عند ٦ دنانير.

مع ذلك استمرت أزمة السيولة المالية في المصارف المحلية، مع اتجاة المصرف المركزي إلى طباعة العملة لتغطية عجز الموازنة؛ الأمر الذي أدّى إلى استمرار الارتفاع في مؤشرات التضخم.

ووفق مؤشرات أصدرتها حكومة الوحدة الوطنية في الغرب، قبل أيام، فإن مستوى التضخم السنويّ ارتفع بنسبة 2.2 في المئة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مقابل الشهر نفسه من العام 2023، مشيرة إلى ارتفاعات في أسعار المواد الغذائية على مستوى سنويّ بنسبة 3.8 في المئة، تلتها مجموعة السلع والخدمات الأخرى بنسبة 2.8 في المئة، وأسعار مجموعة الملابس والأحذية بنسبة 2.5 في المئة.

يُوضح الخبير الاقتصادي الليبي عبد الرحمن شيباني بأنّ مكسب تشكيل إدارة جديدة للمركزي هو تصحيح الأوضاع القانونية بعد سنوات من الإدارة الفردية، لكنّه قال: “صحيح كان هناك خلل في قيادة المصرف برئاسة المحافظ السابق الصديق الكبير، لكن تحميله كل المشكلات المالية والاقتصادية يحمل ظلماً”.

ويشرح في حديث إلى “النهار” أن “المصرف كان يعاني من مشكلتين أساسيتين: الأولى تكمن في عدم القدرة على تلبية الطلب المتزايد على العملة الأجنبية، وكذلك نقص السيولة من العملة المحلية، ممّا أدى إلى فقدان الثقة بالمصارف. وحتى هذا الوقت، لم تُعالج تلك المشاكل؛ وحتى معالجات توفير السيولة عبر طباعة العملة ستنعكس على التضخم. فالأموال المعروضة في السوق تتجاوز الـ 130 مليار دينار”.

حزمة ترشيد
يضيف شيباني أن “الإيرادات بلغت حتى تشرين الأول (أكتوبر) نحو 16 مليار دولار، والعجز وصل إلى نحو 24 في المئة، ومرشح للزيادة نهاية العام”، مشدّداً على أن تعافي الاقتصادي الليبي يحتاج إلى “حزمة تتضمن ترشيد الإنفاق الحكومي، ووضع ضوابط على استيراد السلع، مع خطط تُركز على مشاريع التنمية التي تحقق عوائد سريعة”.

ولم يستبعد أستاذ الاقتصاد، العضو السابق في مجلس إدارة المصرف المركزي، أمراجع غيث، عودة التدخلات السياسية في ظل الانقسام السياسي وغياب مجلس تشريعي قوي، مؤكّداً لـ “النهار” أن المصرف المركزي “لن يستطيع بمفرده مكافحة ضغوط التضخم، إذ إن استخدام أدوات السياسية النقدية التقليدية في ليبيا محدود جداَ، فسعر الفائدة صفر مع إلغائها قبل عقد”.

ويقول الخبير الاقتصادي محسن الدريجة لـ “النهار” إن “القيادة الجديدة للمركزي تواجه تحديات، في ظل تنامي الإنفاق خلال الثلاث سنوات الماضية، وكلفة واردات الوقود المدعوم، وانحسار كمية العملة الأجنبية الموردة”، لافتاً إلى أن “العجز بلغ ستة مليارات دولار حتى نهاية تشرين الثاني (نوفمبر)”.

توحيد الموازنة
التدخل الدولي لوضع حد للنزاع على قيادة المركزي لم يتوقف عند حد إنهائه، بل قفز إلى الضغط على الأفرقاء لتوحيد الموازنة العامة للدولة في ظل صراع الأفرقاء على تقاسم الثروة، فعُقدت سلسلة اجتماعات رعتها القائمة بأعمال الموفد الأممي، ستيفاني خوري، وكذلك القائم بأعمال السفارة الأميركية في ليبيا، جيريمي برنت، كان محورها تشكيل لجنة “مستشارين” دولية تُشرف على واردات النفط وتراقب النفقات، لكن هذا الاقتراح رفضه فريقا الحكم في ليبيا.

الخبير شيباني، الذي شارك في بعض لقاءات توحيد الموازنة، يرى أن هذا المصطلح “غير دقيق ويُرسخ انقسام البلد”، موضحاً بأن “الموازنة في أغلب بنودها موحدة؛ فالباب الأول الذي يمثل 60 في المئة والمتعلق بالرواتب يُصرف في الأساس من الحكومة المركزية في طرابلس، وكذلك الباب الثاني المتعلق بالأمور التشغيلية، والرابع المخصص لدعم المحروقات، فيما يبقى الخلاف على الباب الثالث المتعلق بتمويل مشاريع التنمية”. ويضيف: “النقاشات يجب أن تُركز على الاتفاق على مشاريع التنمية التي تُقام في أي بقعة في ليبيا، مع مراعاة الموازنة التقديرية وسقف مخصصات التنمية التي لا تتجاوز الـ 30 مليار دينار، توزع على كل المشاريع في البلد، مع تفعيل أدوار الأجهزة الرقابية”.

وهو ما يؤيده غيث معتبراً أن “الاتفاق على آلية الإنفاق ممكن إذا خلصت النيات”. لكنه يحذر من أن مسألة الإشراف الدولي على الموازنة تثير مخاوف من تحوله إلى برنامج النفط مقابل الغذاء السيئ السمعة”. ويلفت أيضاً إلى أن ملف تقاسم الثروة “ليس معضلة فهناك تجارب دولية في هذا المجال يمكن الإفادة منها، وهذا هو الحلّ حتى تنتهي المركزية والتصرف الفردي بالأموال”.

أما الخبير الدريجة فيعتقد أنه “بالتزامن مع مشاورات تشكيل لجنة مشتركة ليبية – دولية للإشراف على الموازنة هناك ضرورة ملحة لمعالجة معضلة ارتفاع كلفة رواتب موظفي الدولة خلال الثلاث سنوات الماضية، وكذلك التعامل مع ارتفاع كلفة دعم المحروقات الذي يستنزف قدراً كبيراً من النقد الأجنبي”.

ملف النفط
ولا ينفصل احتدام الصراع السياسي بين الأفرقاء والتنازع على تقسيم الثروة عن ملف النفط، الذي تتقدم عائدات تصديره موارد ليبيا، وفق ما يتفق عليه الخبراء غيث وشيباني ودريجة.

فرغم الاستقرار الذي شهده القطاع منذ مطلع العام، أغلقت في خضم أزمة رئاسة المركزي الآبار النفطية الرئيسية في جنوبي ليبيا وشرقها، مما ألقى بظلاله على معدلات الإنتاج التي عادت وارتفعت خلال الشهرين الماضيين إلى ما بين مليون و٣٠٠ ألف برميل يومياً، وهو أعلى معدل تصل إليه البلاد منذ عام ٢٠١١. لكن المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا تتوقع أن يبلغ الإنتاج مليوني برميل يومي بنهاية العام ٢٠٢٥.

ويؤكد الخبير غيث أنه “إذا تم الاتفاق على توزيع عوائد تصدير النفط فإن كل الأطراف ستقتنع بأن إيقاف ضخه ليس في مصلحتها”، واصفاً التوقعات بوصول الإنتاج إلى مليوني برميل في السنة بـ “المبالغ فيها، ولن تتحقق في ظل الحاجة الملحة إلى المزيد من مشاريع الاستكشاف، بالإضافة إلى صيانة البنى التحتية وصرف أموال لزيادة الإنتاج؛ وهذا يحتاج إلى وقت طويل. أعتقد أن مستوى إنتاج ما بين مليون و500 ألف إلى مليون و600 ألف أمر واقعي”.

ويتحدث شيباني عن حالة من عدم الرضا عن مجلس إدارة مؤسسة النفط، ولا يستبعد تغييره خلال المرحلة المقبلة، مشيراً إلى الغموض في قيمة مبيعات النفط الخام والمكثفات، وكذلك في ما يتعلق بإجراءات مبادلة المشتقات النفطية، إذ يتم تبادل إنتاج النفط الخام ببعض المشتقات كالديزل والبنزين، والمفترض ألّا تقل إيرادات المؤسسة الوطنية للنفط عن 23 مليار دولار إلى 25 مليار سنوياً. لكن ما يورد هو أقلّ بنحو 8 مليارات دولار. ويؤكد أن “مؤسسة النفط حصلت على دعم مالي ضخم يبلغ نحو 50 مليار دينار ليبي خلال العامين الأخيرين بهدف تطوير بنيتها التحتية، في المقابل، لم يُلحظ تحسّن في الإنتاج. والتقديرات الأكثر تفاؤلاً تصل إلى إنتاج مليون ونصف مليون برميل يومياً بنهاية العام المقبل، وهي المعدلات نفسها التي كانت تتحقق في أحسن الأوضاع التي عاشتها ليبيا قبل العام 2011”.

أحمد مصطفى- النهار

The post إقتصاد ليبيا تجاوز شبح الإنهيار… لكن التعافي ما زال بعيداً appeared first on LebanonFiles.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى