عاجل

المشهد من فوق الخزّان|  عندما أنتجت جلسة بعبدا أوسلو جديد وعاجل


المشهد من فوق الخزّان|  عندما أنتجت جلسة بعبدا أوسلو جديد
✍ محمد قاسم

تمهيد
الساعة كانت تميل إلى الظهر، وقاعة مجلس الوزراء في بعبدا تزدحم بالوجوه المتحفزة والابتسامات المشدودة. على الطاولة الطويلة تتراكم الملفات الزرقاء والبيضاء، وبعض الأوراق تحمل خطوطًا حمراء تحت بنود “إصلاحية” ظاهرًا، لكنها محشوة بمصطلحات مثل “توحيد القرار الأمني” و”إعادة هيكلة قطاع الدفاع”.
العين الخبيرة كانت تلتقط إشارات سريعة بين بعض الوزراء، وكأن ثمة سيناريو متفق عليه ينتظر لحظة الإخراج. وفي المقاعد الخلفية، الهمس كان يدور حول زيارات غير معلنة لسفراء، واتصالات مع عواصم عربية وغربية، ورجلان يتردّد اسماهما في الكواليس: يزيد بن فرحان وتوم براك.
الأجواء كانت مزيجًا من بروتوكول رسمي وكمين سياسي، إلى أن فُتح ملف البند الأخطر… وهناك بدأ المشهد الحقيقي للجلسة التي ستسقط ميثاقيتها بعد دقائق.


⚠ الوضع على حافة الانفجار
جلسة بعبدا الأخيرة لم تكن مجرد اجتماع حكومي عابر، بل مسرحية سياسية مُعدة بعناية لتمرير أخطر مشروع استسلامي منذ اتفاق 17 أيار، هذه المرة تحت شعار “إصلاح الدولة”.
انسحاب وزراء الثنائي الشيعي أسقط الميثاقية وكشف حجم المؤامرة، فيما جاء تحذير الحاج محمد رعد قاطعًا: “المساس بسلاح المقاومة خط أحمر… ونحن مستعدون للموت دونه.”
رسالة واضحة بأن أي محاولة لفرض نزع السلاح قد تدفع حزب الله إلى قلب الطاولة على الجميع.


انقلاب على خطاب القسم
وهنا يبرز سؤال مباشر لرئيس الجمهورية، الضامن للدستور: أين ذهب خطاب القسم الذي أعلن فيه التزامه بالبحث عن استراتيجية أمن وطني تحمي لبنان وتحصّنه؟ كيف تحوّل من التعهّد بتعزيز عناصر القوة إلى رعاية مشروع ينزع أهم هذه العناصر ويضع الجنوب تحت رحمة لجان المراقبة الدولية؟
التحوّل ليس صدفة، بل نتيجة ضغوط إقليمية ودولية، ونتيجة محاور جديدة تقترب من القصر الجمهوري حاملة شروطها.


الخيوط الخارجية… يزيد بن فرحان وتوم براك
لا يمكن فصل مشهد بعبدا عن الحراك الخارجي الموازي. وزير الخارجية السعودي يزيد بن فرحان، الذي يتحرك في الكواليس بدعوى “دعم الاستقرار”، يضع بند نزع السلاح في أولويات أي تفاوض عربي-لبناني.
وفي المقلب الآخر، المبعوث الأميركي توم براك، الذي يزور العواصم ويعقد الاجتماعات خلف الأبواب المغلقة، يعمل على ترجمة الضغوط السياسية إلى خطوات عملية على الأرض، تبدأ من طاولة مجلس الوزراء ولا تنتهي عند حدود القرار 1701.
هذان المساران – السعودي والأميركي – يتقاطعان في بعبدا، حيث يجري تمرير الرسائل بصيغة “إصلاحات” و”ضمانات”، لكنها في الجوهر ليست سوى خريطة طريق نحو تجريد لبنان من سلاحه.


بعبدا… وادي عربة من الداخل
في قصر بعبدا، انعقدت الجلسة التي تحوّلت إلى منصة تمرير “وادي عربة اللبناني”.
لكن ما إن انكشف جدول الأعمال المبطّن ببنود نزع السلاح وإعادة صياغة معادلة الردع، حتى انسحب وزراء الثنائي الشيعي، ليسقط النصاب الميثاقي، وتتحول الجلسة إلى لقاء فاقد الثقة، بلا غطاء وطني ولا شرعية.

المشهد لم يكن مفاجئًا: نواف سلام، بصفته رئيس الحكومة المكلّف بالمهمة، أعاد إنتاج لغة الاستسلام، مغلّفًا إياها بشعارات “إعادة بناء الدولة” و”توحيد القرار العسكري”. وهي ذات اللغة التي روّجت لها مدارس معراب السياسية منذ سنوات، حيث المقاومة “عبء”، والتحرير “ملف مؤجل”، والنقاط الخمس المحتلة “تفصيل فني” قابل للمساومة.


خطة الانقلاب على المعادلة
داخل القاعة، كانت الخطة واضحة:

  • إدخال بند نزع السلاح تحت عنوان “إصلاح هيكلي”.
  • تحويل ملف الجنوب إلى ورقة تفاوض خارجية.
  • شطب حق المقاومة من الدستور الفعلي للبنان.

لكن انسحاب وزراء الثنائي الشيعي أوقف المسرحية عند المشهد الأول، وأفشل محاولة فرض أمر واقع جديد على البلاد.


ردّ المقاومة… كلمة الفصل
في مواجهة هذه المخططات، جاء صوت الحاج محمد رعد ليختصر الموقف بكلمة الفصل:

“نحن مستعدون للموت دون السلاح… ويروحوا يبلطوا البحر.”

هذه العبارة ليست موقفًا انفعاليًا، بل عن معادلة جديدة:
المساس بسلاح المقاومة هو عبور نحو منطقة الخطر، حيث حزب الله – إذا فُرضت عليه معادلة الاستسلام – قادر على قلب الطاولة على الجميع، وإعادة صياغة قواعد اللعبة من جديد.


الخلاصة من فوق الخزّان
جلسة بعبدا فقدت الميثاقية يوم فقد بعض من فيها البوصلة، وأصبحوا يفاوضون على الوطن وكأنه صفقة عقارية، بينما الجنوب ما زال تحت الاحتلال. أما السلاح، فهو خط أحمر، والمقاومة مستعدة لخوض كل المعارك دفاعًا عنه، حتى لو كان الثمن قلب الطاولة على رؤوس من يظن أن بإمكانه كتابة أوسلو جديدة على مقاس بعبدا، وبأقلام يزيد بن فرحان وتوم براك.

 

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى