عنف الغارات التهويل والمهل لا تستهدف السلاح بل كسر إرادة الوطن

عنف الغارات التهويل والمهل لا تستهدف السلاح بل كسر إرادة الوطن
كتب د. محمد هزيمة – كاتب سياسي وخبير استراتيجي ومستشار في العلاقات الدولية
لم تكن الغارات الأخيرة على لبنان مجرد ردود عسكرية، بل رسائل سياسية مشفّرة، مشبعة بالتهديد والتهويل، هدفها الظاهر “الردع وحماية كيان العدو”، وفي الباطن تعمل لاستكمال مشروع الانقلاب الناعم على ثوابت لبنان القوي بمقاومته، وإدخاله حظيرة التطبيع ضمن رؤية أمريكية – إسرائيلية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بما يتناسب مع مصلحة واشنطن ويؤمن حماية الكيان الإسرائيلي، ويضمن أمنه كدولة وازنة على مستوى العالم، وقوة اقتصادية – سياسية تشكل واجهة لتصدير النفط وصناعته، ومحطة لربط الشرق بالغرب، بسيطرة تامة وفق الأسطورة الممتدة بين الفرات والنيل، والتي شكّلت حلم قادة إسرائيل منذ نشأة الكيان، بل وحتى قبل تأسيسه، وخاضت الحروب من أجل فرضه بدعم غربي مطلق، وبرعاية أمريكية لم تفصل يومًا بين تل أبيب وواشنطن، باعتبار الكيان ولاية أمريكية تدافع عنها واشنطن، ويدخل دعم الكيان ضمن برامج الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة.
إسرائيل، أمنها، تفوقها، ودعمها، رافعة لساكن البيت الأبيض، أيًّا تكن هويته أو حزبه، ولا فرق بين جمهوري وديمقراطي أمام أولوية الكيان، ودور واشنطن الشريك في حروبه المتنوعة، ما بين عدوان حربي وسياسي، تُكمّل فيه الدبلوماسية دورًا يفوق خطر العسكر، تعمل لتحقيق مصالح إسرائيل وتلبية مطالبها التي فشلت في تحقيقها على الجبهة، كما هو حال هجمة واشنطن على لبنان لفرض عملية انقلاب سياسي تغيّر هوية لبنان بعد أن امتلك أوراق قوة فرضته معادلة صلبة لعقدين من الزمن وأكثر، جعلته أحد أكثر بلدان الشرق الأوسط أمنًا وأمانًا بوجود مقاومة حمت الوطن، بشرًا وبرًّا وبحرًا، بتلازم ثلاثية ثابتة: جيش يحمي، شعب يحتضن، ومقاومة ترسم استراتيجية تكسر التفوق الإسرائيلي، ونجحت في حماية الوطن ومقدراته حتى في أعماق البحار.
ويجهد الأمريكي للقضاء عليها بفرض شروط الاستسلام على لبنان، محددًا مهلًا زمنية، بعملية ضغط سياسي، وتهويل، وضخ إعلامي انخرط فيه فريق داخلي تربّى وترعرع في حضن إسرائيل، وركب دباباتها في اجتياح عام 1982، ووصل إلى بعبدا لكنه لم يدخل القصر، ومن دخله لم يحكم، وكتب نهاية ذليلة لنفسه أفقدته امتيازات ورثها من الاستعمار.
يرى هذا الفريق عينه أن ظروف استعادتها ممكنة بدعم أمريكي، لإدخال الوطن العصر الإسرائيلي من بوابة تطبيع العلاقات، أسوة بما يجري حولنا، وسوق الحكومات العربية، ومعهم الإرهاب الذي يحكم سوريا، للتسليم بتفوّق إسرائيل وسيطرتها على المنطقة، وأن من واجب لبنان تطبيق الشروط الإسرائيلية – الأمريكية، في مقدمتها تسليم السلاح مقابل البقاء، وتحييد المقاومة وشطبها من المعادلة، تمهيدًا لتغيير وجه المنطقة وإخراج الثنائي الشيعي من المعادلة.
إلا أن هذه الهجمات، على قسوتها، ليست جديدة على وطنٍ اعتاد أن ينهض من الركام. كل قذيفة تسقط ليست فقط انفجارًا في الأرض، بل اختبارًا في الإرادة، محاولة لترويض شعب يعرف أن كرامته لا تُسترد إلا حين يكون القرار بأيديه، شعب واجه احتلالًا وقوى متعددة الجنسيات، وأساطيل، وانتصر في أكثر المعارك، وكل التهويل اليوم لن يوصلهم لما يريد الأمريكي والإسرائيلي وبعض الداخل، مهما اشتدت الحملة التي تُخاض سياسيًّا بعد فشل عسكري، بدبلوماسية العصا، ومعها تُخاض معركة موازية، حرب اقتصادية: “الدولار” ينهش الجيوب، الكهرباء تغيب، السلع تتبخر من الأسواق، وحملات إعلامية تضخ السموم بقصد الترويج للتضليل، لتوهين البيئة وتحريض الشعب، وهذا ليس مصادفة، بل جزء من سياسة “التجويع مقابل الطاعة”.
يُراد من اللبناني أن يقول: “كفى مقاومة… نريد التسليم لقوة إسرائيل”.
لكنهم تناسوا أن هذا الشعب عاش الحصار، وقاوم بالأمعاء الخاوية، وكان كلما اشتد عليه الحبل، زادت صلابته، يواجه حربًا بين الشاشات وصفحات الأخبار، معارك أخرى، هناك من يمهّد لتسليم السلاح بحجج براقة: “لا نريد حربًا جديدة، فلنحصر السلاح بيد الدولة”.
ولكن، من هي الدولة التي يقصدون؟ تلك التي تُغرقها السفارات؟ أم التي لا قرار فيها بلا إذن خارجي؟
وفي المقابل، شعب حرّ يذكّر الناس بأن ما يُطلب ليس “سلامًا”، بل خضوعًا، واستسلامًا، وعبودية، وأن السلاح لم يكن يومًا عبئًا، بل توازن ردع حمى هذا الوطن من الزوال.
هذه الغارات وما تبعها ليست سوى وجه آخر لمعركة كبرى: معركة الوعي، معركة السيادة، معركة الصمود في وجه التطويع السياسي، الاقتصادي، والنفسي. ومن يراهن فيها على الإنهاك، ينسى أن في جسد لبنان جمرًا لا يبرد، وأن من اعتاد حمل البندقية لا يرميها مقابل كسرة خبز، بل يحملها دفاعًا عن كرامة لا تُشترى ولا تُباع.
ظهرت المقالة عنف الغارات التهويل والمهل لا تستهدف السلاح بل كسر إرادة الوطن أولاً على تلفزيون برافدا.
مصدر الخبر
نشر الخبر اول مرة على موقع :pravdatv.org
بتاريخ:2025-06-30 10:39:00
الكاتب:قسم التحرير
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي