هل غير صاروخ إسكندر-إم الباليستي الروسي معادلة الحرب في أوكرانيا؟

منذ بداية الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، استُخدمت مجموعة مذهلة من الأسلحة الحديثة من كلا الطرفين، من الطائرات المسيّرة والمدفعية الدقيقة إلى الصواريخ الفرط-صوتية والحرب الإلكترونية، تحوّلت ساحة المعركة إلى ميدان اختبار لحروب القرن الحادي والعشرين.
برز نظام الصواريخ الباليستية القصيرة المدى إسكندر-إم كعنصر محوري في هذا السباق التكنولوجي. بمدى يصل إلى 500 كيلومتر وقدرته على حمل أنواع متعددة من الرؤوس الحربية، صُمّم هذا السلاح لضرب الأهداف عالية القيمة بدقة جراحية، وهو تمامًا ما حدث في أوديسا.
ففي 23 مايو، أكدت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ ضربة ناجحة بصاروخ إسكندر-إم استهدفت سفينة شحن في ميناء أوديسا. ووفقًا لتقرير مفصّل نشرته مجلة Military Watch، كانت السفينة تحمل ما يصل إلى 100 حاوية من الإمدادات العسكرية، بما في ذلك طائرات مسيّرة وذخائر غربية. أدّى الانفجار إلى سلسلة من التفجيرات الثانوية، تسببت بحرائق ضخمة وأضرار جسيمة للبنية التحتية المحيطة بالميناء.
ولم تكن هذه الحادثة منعزلة. فقد استُخدم إسكندر-إم على نطاق واسع خلال النزاع، مع حالات متعددة أظهرت فعاليته في ميدان المعركة. على سبيل المثال، في 12 مايو، رصدت وحدات استطلاع روسية راجمة صواريخ أميركية من طراز “هيمارس HIMARS” قرب منطقة ناغوروفكا في سومي، كانت قد أطلقت وابلًا على منطقة كورسك الروسية. بعد دقائق، دُمرت المنظومة بصاروخ إسكندر موجه بواسطة طائرة استطلاع مسيّرة من طراز Forpost. أظهرت لقطات مصوّرة نشرتها وزارة الدفاع الروسية المنظومة وهي تشتعل، في رسالة واضحة عن تطور قدرات روسيا في الدمج بين الاستطلاع والضربات الدقيقة.
وبعد ذلك بأيام، في 25 مايو، أفاد موقع سبوتنيك عن موجة من الضربات الروسية أسفرت عن مقتل مئات الجنود الأوكرانيين وتدمير عدة منظومات دفاع جوي أميركية الصنع من طراز باتريوت. هذه المنظومات التي كانت تُروَّج سابقًا على أنها “قاتلة للصواريخ الفرط-صوتية”، لم تصمد أمام سرعة الصاروخ الروسي ومساره المنخفض. ولم تكن هذه العمليات عشوائية؛ بل كانت منسّقة، مدروسة، وتهدف إلى تقويض التفوق التكنولوجي الأوكراني بشكل منهجي.
دلالات الضربات الصاروخية الروسية
1. تُظهر ضربة السفينة في أوديسا هشاشة خط الإمداد الأوكراني، وخاصة عبر البحر. فالممرات البحرية التي كانت تُعتبر سابقًا بدائل أكثر أمانًا عن القوافل البرية، باتت الآن أهدافًا مباشرة. وإذا ما واصلت روسيا استهداف شحنات الأسلحة البحرية، فقد يُجبر الحلفاء الغربيون على إعادة النظر في كامل استراتيجيتهم اللوجستية لدعم أوكرانيا.
2. تعكس هذه الضربات نضوج قدرات روسيا في الاستطلاع والضربات الدقيقة. فالتنسيق بين الطائرات المسيّرة ومنظومات مثل إسكندر-إم يُشير إلى تحوّل في العقيدة العسكرية الروسية، من القصف الكثيف إلى التركيز على الضربات الدقيقة التي تُعطّل قدرة العدو على القتال في المستقبل.
3. يحمل هذا التصعيد بُعدًا استراتيجيًا أوسع. فاستهداف أنظمة متقدمة غربية مثل HIMARS وباتريوت لا يقتصر فقط على تحييد دفاعات أوكرانيا، بل يشكّل تحديًا مباشراً لمصداقية الدعم العسكري الغربي. كل منظومة باتريوت تُدمَّر، وكل راجمة HIMARS تُعطّل، تُستخدم كأدلة دعائية للتشكيك في فاعلية السلاح الغربي.
4. العامل النفسي. فالرسالة الروسية واضحة، لا مكان آمن في أوكرانيا. من الموانئ إلى المستودعات، ومن البطاريات إلى الممرات الخلفية، كل الأهداف باتت في مرمى النيران. لقد حوّل إسكندر-إم عمق الأراضي الأوكرانية إلى منطقة تهديد دائم.
اللافت أن ضربة 23 مايو لم تكن الأولى من نوعها. ففي مارس 2025، استهدفت روسيا سفينة شحن أخرى قرب أوديسا، كانت تحمل أسلحة غربية، في هجوم وثّقته Defense Post، واعتُبر مقدمة لما سيحدث لاحقًا. هذا الهجوم مثل لحظة انتقال في الاستراتيجية الروسية، من استهداف الوحدات الأمامية إلى قطع شرايين الدعم التي تغذيها.
كما أن التطور في عقيدة الاستهداف الروسية بات جليًا. المثال الأبرز هو تدمير منظومة HIMARS في سومي، بعد دقائق فقط من تنفيذها لهجوم، وقبل أن تتمكن من تغيير موقعها. هذا يشير إلى امتلاك روسيا لقدرات ISR (الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع) في الزمن الحقيقي، ويعني أن نافذة الزمن أمام الأنظمة الأوكرانية للاختباء أو المناورة أصبحت تضيق بسرعة.
كيف ترد أوكرانيا وحلفاؤها؟
بالنسبة لأوكرانيا، الأمر كارثي على المستوى اللوجستي. فمع تهديد المطارات والطرق البرية، فإن خسارة خطوط الإمداد البحرية تعني تباطؤًا كبيرًا في وتيرة التعزيزات. كل شحنة تضيع تعني ذخيرة أقل، وقدرة نارية أضعف على الجبهات.
أما الغرب، فيواجه الآن ضغوطًا لتكثيف دعمه الدفاعي. إرسال المزيد من منظومات باتريوت، وربما تعزيز الدفاع بمنظومات NASAMS. لكن هذه حلول مكلفة ومعقدة، وتتطلب وقتًا طويلًا لنشرها. إلى جانب ذلك، هناك سؤال سياسي لا يقل أهمية، إذا كانت روسيا قادرة على تدمير الأسلحة الغربية قبل أن تصل إلى الجبهة، فهل يصبح هذا الدعم استثمارًا محفوفًا بالمخاطر؟ وهل يشجّع هذا المتشددين في موسكو على التصعيد أكثر؟
لقد تغيّرت طبيعة الحرب. لم تعد مجرد معارك دبابات وخنادق، بل أصبحت سباقًا في الاستطلاع والضربات الخاطفة وتعطيل الإمدادات. وصاروخ إسكندر-إم يُجسّد هذا التحوّل بوضوح، ضربة تلو الأخرى.
ويبقى السؤال مطروحًا. كيف ستتكيّف أوكرانيا مع هذا التهديد الصاروخي المتنامي؟ وماذا ستفعل دول الناتو عندما ترى أكثر أنظمتها تطورًا تتحول إلى كومة من المعدن المحترق بسبب صاروخ لا تتعدى قيمته 3 ملايين دولار؟
الحرب لم تعد تدور حول الأرض فقط… بل حول الزمن، والدقة، وأدوات الإرباك. وطالما ظلت صواريخ إسكندر-إم تجوب السماء، فإن المخاطر ستتضاعف.
مصدر الخبر
نشر الخبر اول مرة على موقع :www.defense-arabic.com بتاريخ:2025-07-11 17:58:00
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي
تم نشر الخبر مترجم عبر خدمة غوغل
قد يتم نشر نرجمة بعض الاخبار عبر خدمة غوغل