بين الرئاستين الأولى والثالثة: موازين القوى تتحكم لا الدستور

قبل اتفاق الطائف، كانت السلطة التنفيذية تتمركز في بعبدا، في حين كان دور رئيس الحكومة يقتصر على كونه “حامل الأختام”. أما بعد الاتفاق فقد تغيرت المعادلة؛ إذ أصبحت السلطة التنفيذية في يد مجلس الوزراء مجتمعاً، فوجد رئيس الجمهورية نفسه شريكًا في الحكم، في حين ارتفعت مكانة رئيس الحكومة إلى موقع صانع السياسات، والممسك بمفاتيح الإدارة اليومية.
لكن هذا التحول لم ينتج توازنًا حقيقيًا بقدر ما أنتج ازدواجية في المرجعية التنفيذية: رئيس يُفترض أن يكون حكَمًا من دون أدوات حاسمة، ورئيس حكومة يُفترض أن يكون قائداً لأداء وزرائه وصاحب سلطة تقريرية. هذه الصيغة ولّدت تناقضًا بنيويًا سيطر على أداء السلطة التنفيذية، لا سيما في غياب النيات الحسنة أحياناً، وهذا ما خلق جملة تعقيدات وسمت عهود ما بعد الطائف، وحالت دون تحويل هذه السلطة إلى شراكة مؤسساتية، لمصلحة إبقائها رهينة الصفقات والتجاذبات.
في هذا السياق، يوضح الأستاذ غسان مخيبر لـ”المدن” أن نقل السلطة التنفيذية الإجرائية من الرئيس إلى مجلس الوزراء لم يكن مفاجئًا؛ بل تراكمت أعراف دستورية قبل الطائف، ليرسّخ الاتفاق هذا التحول، مع إبقاء بعض الصلاحيات الذاتية للرئيس، مثل ترؤس جلسات مجلس الوزراء، والمشاركة في جدول الأعمال، وإحالة القوانين إلى المجلس الدستوري، وهي صلاحيّات مرتبطة برمز وحدة الدولة. لكن هذه الصلاحيات لم تكن متماثلة في التطبيق، فبعض الرؤساء مارسوا صلاحياتهم إلى أقصى الحدود، في حين اكتفى آخرون بالحد الأدنى، وهو ما أفرز واقعًا معقّدًا يحكمه التوازن بين الأعراف والصفقات السياسية.”
بعد الطائف: من التعايش القسري إلى المواجهات المفتوحة
وفي جردة حساب لحكومات ما بعد الطائف، والعلاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة، يمكن القول إن عهد إلياس الهراوي ورفيق الحريري، بدت فيه العلاقة مستقرة نسبيًا، لكنها في الواقع كانت انعكاسًا مباشرًا للوصاية السورية التي ضمنت الحد الأدنى من التعاون. الهراوي كان يستند إلى دمشق في ضبط إيقاع الحريري، الذي اندفع إلى مشروع إعادة الإعمار تحت سقفها، ولم يكن التفاهم وليد توازن داخلي، بقدر ما كان تعبيرًا عن معادلة مفروضة من الخارج.
هنا يوضح مخيبر أن ما سُمّي بـ”نظام الترويكا” عقد المشهد في عهد الهراوي؛ إذ دخل رئيس مجلس النواب شريكًا مضاربًا في السلطة التنفيذية، برغم أن دوره يفترض أن يقتصر على التشريع، وهذا الواقع، وفق مخيبر، لم يكن منصوصًا عليه في الدستور؛ بل كان نتيجة الوصاية السورية، وممارسات سياسية تراكمت بعد الطائف، وهو ما جعل كل صراع على الصلاحيات انعكاسًا لموازين القوى لا للنصوص الدستورية.
أما في مرحلة إميل لحود ورفيق الحريري فقد انفجرت التناقضات الدستورية على نحو غير مسبوق. لحود ومنذ اللحظة الأولى قطع جسور التعاون والتفاهم مع الحريري الأب، مع اتهامات وجهها إلى البارزين في فريق عمل الحريري، وصولاً إلى الحؤول دون تسلمه رئاسة الحكومة الأولى في عهده، ليعود الحريري قوياً بعد الانتخابات النيابية في العام 2000، لكن بقي لحود على سياسة غير ودية، لا همّ له إلا عرقلة كل ما تقوم به الحكومة، في حين حاول الحريري السير بين الألغام، لا سيما بعد وفاة الأسد الأب وتسلم الابن السلطة، ليواجه عداوة بشار ولحود معاَ، وتصبح الوصاية من دون ضابط إيقاع. ومع التمديد الرئاسي في العام 2004، تحولت العلاقة إلى مواجهة سياسية وجودية، انتهت باغتيال الحريري، وما تبعه من شلل كامل في التوازن بين بعبدا والسراي.
ميشال سليمان (2008–2014): الرئيس التوافقي وسط الاصطفاف
وصول ميشال سليمان إلى بعبدا بعد اتفاق الدوحة جاء بوصفه محاولة لتوليد رئيس توافقي في ظل الانقسام بين 8 و14 آذار. لكن التجربة أظهرت أن الرئيس التوافقي غير قادر على لعب دور الحكم إذا بقيت الانقسامات على حالها. مع فؤاد السنيورة وسعد الحريري، كان الخلاف يدور حول “الثلث المعطِّل” في الحكومات، وهو ما حاول امتلاكه أيضًا رئيس الجمهورية وفق ما يشير مخيبر. مع نجيب ميقاتي انتقلت العلاقة إلى خلاف حول الوجهة السياسية للدولة بين المحكمة الدولية، ومعادلة الجيش والشعب والمقاومة. محاولة إعلان بعبدا في العام 2012 كانت ذروة البحث عن صيغة تحكيمية جديدة للرئاسة الأولى، لكنَّ حزب الله انقلب على الإعلان “الذي لا يساوي الحبر الذي كتب به”، فأصبح مجرد وثيقة غير مُلزِمة.
ميشال عون (2016–2022): الرئيس القوي والانسداد البنيوي
أما وصول ميشال عون إلى بعبدا فمثّل اختبارًا لنظرية “الرئيس القوي”، المدعوم من تحالفات سياسية صلبة. لكن التجربة لم تلغِ المعضلة البنيوية؛ بل كشفتها بوضوح. فما واجهه الحريري الأب مع لحود، واجه مثله الحريري الابن مع ميشال عون، ومن خلفه رئيس الظل جبران باسيل. مع سعد الحريري، تحولت عملية تشكيل الحكومات إلى ساحة صراع مفتوح على الحصص والتوازنات، وانتهت برفض بعبدا كل التشكيلات المقدمة.
مع حسان دياب، تراجع موقع رئاسة الحكومة ليبدو امتدادًا للرئاسة، وهو ما قلب المعادلة تمامًا، وألغى الحد الأدنى من التوازن. أما مع نجيب ميقاتي فقد دخلت العلاقة في حالة شلل كامل بفعل الأزمات المالية وانفجار المرفأ، وجاء تصريح عون “ذاهبون إلى جهنم” ليختصر حجم الانسداد.
يشير مخيبر إلى أن ممارسة الصلاحيات بعد الطائف أصبحت أبعد بكثير من النصوص الدستورية، وأقرب إلى موازين القوى والصفقات السياسية، وأن الرئيس القوي لم يكن وحده من يفرض سياسته؛ بل كان محكومًا بتوازنات القوى الداخلية والخارجية التي تحكم عمل الرئاسات معًا.
الحقبة الراهنة: جوزاف عون ونواف سلام
واليوم، مع انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة بما هو نتيجة مباشرة للتحولات التي أعقبت حرب الإسناد، وكسر هيمنة حزب الله، ومن خلفه إيران ومحور الممانعة ككل بفعل سقوط النظام الأسدي في سوريا، تغير المشهد، فبعد الفراغ في بعبدا وتعطل الحياة الدستورية، بدا أن تسوية جديدة تفرض نفسها بدفع خارجي وإقرار داخلي بأنَّ استمرار الشغور لم يعد ممكنًا. هذا المسار أنتج ثنائية رئاسية جديدة، يرى البعض أنها تحمل في طياتها كل عناصر التحدي القديمة، في حين يرى البعض الآخر أن الرئاستين الأولى والثالثة على تفاهم ضمني في الأمور الأساسية، لأن لا خيار آخر لديهما.
بالتالي فإن العلاقة بين الرئيسين عون وسلام محكومة بإنجاز تعهدات الدولة اللبنانية للمجتمع الدولي، بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني الماضي، ليبقى سلاح حزب الله هو الملف الأثقل. وفي حين لا يختلف الرئيسان على المبدأ، ربما تكمن العلة في الأسلوب. جوزاف عون يعطي الأولوية للاستقرار وتدوير الزوايا، ويرى أن إدماج السلاح في الدولة لا يتم إلا تدريجيًا عبر تفاهمات تؤدي إلى استراتيجية وطنية متفق عليها، محذرًا من أي صدام داخلي. أما نواف سلام فيعتبر أن أي إنجاز للحكومة يمر عبر وضع خطة زمنية واضحة لحصر السلاح بيد الدولة، وإلا فلن يلتزم المجتمع الدولي بدعم لبنان. هنا يظهر أن ما أفرزته حرب الإسناد من ضغوط على الداخل، انعكس على تموضع الرئاستين: رئيس جمهورية يحذر من الانفجار، ورئيس حكومة يسابق الزمن قبل انتخابات 2026 ليقدم إنجازًا سياسيًا يعزز موقعه. زيارة وفد القوات اللبنانية إلى السراي في آب 2025 شكّلت بدورها محطة لافتة؛ إذ منحت سلام غطاءً مسيحيًا في ملف سيادي حسّاس، ووضعت بعبدا أمام تحدي إعلان موقف أكثر وضوحًا.
هذا التباين تجسّد سريعًا في الاختبار الأول للعلاقة بين الرئيسين؛ أي في ملف حاكمية مصرف لبنان. جوزاف عون فضّل مقاربة توافقية تمنع صدمةً في الأسواق، وتحافظ على الاستقرار النقدي ولو على حساب الإسراع في التغيير، معتبرًا أن الاستمرارية المؤسسية أولوية في ظرف مالي هش. في المقابل، رأى نواف سلام أن تعيين حاكم جديد بخطاب إصلاحي واضح شرط لاستعادة الثقة، وأن التردد في الحسم يهدد بفقدان الدعم الدولي. هنا يظهر جوهر التناقض بين الرئاستين: الرئاسة الأولى تضع الاستقرار فوق كل اعتبار، في حين أنَّ رئاسة الحكومة تعتبر أن الإصلاح السريع هو وحده الكفيل بإنقاذ ما تبقى.
يشير مخيبر، في هذا السياق، إلى أن مجلس الوزراء لم يعد وحده السلطة التنفيذية كما نصَّ الطائف؛ بل تحوّل بفعل الأعراف والضغوط إلى سلطة يتقاسمها “شركاء مضاربون”، من الترويكا إلى قوىً أخرى، وهذا ما يجعل أيّ اختلاف بين الرئيسين انعكاسًا مباشرًا لموازين القوى السياسية، لا مجرد تفسير دستوري للنصوص.
إبراهيم الرز – المدن
The post بين الرئاستين الأولى والثالثة: موازين القوى تتحكم لا الدستور appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.