مقالات

لبنان بين نار التصعيد… ودور المقاومة

كتب : كمال الخنسا

لم يعد التصعيد الإسرائيلي شمال الليطاني حدثًا عابرًا يمكن إدراجه في خانة “الضغط المحدود” أو الرسائل الأمنية التقليدية. ما يجري اليوم، وفق ما تنقله مصادر دبلوماسية غربية، هو انتقال واضح من منطق الانتظار إلى منطق الفرض، ومن سياسة التحذير إلى سياسة كسر الوقت اللبناني.

إسرائيل، التي تراقب جلسات الحكومة اللبنانية وخطط الجيش لحصرية السلاح، قررت أن هذه المسارات بطيئة، وربما غير قابلة للتنفيذ في المدى المنظور. لذلك اختارت أن تفرض أجندتها ميدانيًا، عبر تصعيد عسكري متدرّج، يبدأ باستهداف البنى التحتية والمخازن والمواقع التابعة لحزب الله، ولا يتردد في توسيع بنك الأهداف ليشمل حركة “حماس” في مناطق لبنانية بعيدة عن خطوط التماس التقليدية.

خطورة هذا التطور لا تكمن فقط في اتساع الجغرافيا المستهدفة، من الجنوب إلى البقاع الغربي وجزين وصيدا، بل في الدلالة السياسية الكامنة خلفه: لا خطوط حمراء بعد اليوم، ولا تمييز بين شمال وجنوب الليطاني، ولا قبول باستمرار السلاح خارج سلطة الدولة، مهما كانت الذرائع أو العناوين.

الرسالة الإسرائيلية إلى الحكومة اللبنانية واضحة وقاسية: عامل الوقت سقط. أي رهان على تبدّل الظروف الإقليمية أو على تسويات مؤجلة سيُقرأ إما كعجز وإما كتواطؤ، وكلاهما سيقابَل بمزيد من الضغط العسكري. في هذا السياق، يصبح الاستهداف المعلن لبنى تحتية لحماس في بلدات ذات غالبية مسيحية رسالة إضافية مفادها أن المشكلة ليست طائفية ولا مناطقية، بل تتعلق بمبدأ واحد: من يملك السلاح ومن يقرر استخدامه.

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية عالقة في مأزق مزدوج. فهي من جهة عاجزة، سياسيًا وعمليًا، عن فرض حصرية السلاح في ظل توازنات داخلية معقّدة، ومن جهة أخرى تواجه ضغطًا خارجيًا متصاعدًا لا يترك لها هامش المناورة التقليدي. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: استمرار سياسة إدارة الأزمة، بدل معالجتها، قد يحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، فيما تتآكل ما تبقى من مفهوم السيادة.

السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة المقبلة هو تصعيد إسرائيلي متدرّج، لا يرقى إلى حرب شاملة، لكنه كافٍ لاستنزاف الواقع الأمني والاقتصادي اللبناني، وإبقاء البلاد في حالة “اللا سلم واللا حرب”. أما الانفجار الكبير، فرغم أنه ليس الخيار الأول، يبقى احتمالًا قائمًا إذا خرجت الحسابات الميدانية عن السيطرة أو فُرضت معادلات جديدة بالقوة.

في الخلاصة، لبنان أمام لحظة مفصلية. إما مقاربة جذرية تعيد الاعتبار للدولة وقرارها، مهما كانت الكلفة السياسية، وإما استمرار الهروب إلى الأمام، مع ما يعنيه ذلك من ترك مصير البلاد رهينة ميزان القوة. إسرائيل، على ما يبدو، حسمت خيارها. أما القرار اللبناني، فلا يزال معلّقًا… والوقت لا يعمل لصالحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى