مقالات

فنزويلا في قلب التحوّل العالمي: حين تصبح القوة بديلاً عن السياسة

كتب / كمال الخنسا

لم يعد ما يجري في فنزويلا مجرّد تطور سياسي داخلي أو أزمة عابرة في بلد يعاني أصلًا من اختناقات اقتصادية مزمنة. ما نشهده هو تعبير صارخ عن تحوّل أعمق في طريقة إدارة النظام الدولي، حيث تتراجع الأدوات السياسية التقليدية لمصلحة منطق أكثر مباشرة: فرض الإرادة بالقوة، أو عبر أدواتها الاقتصادية والأمنية.

فنزويلا تمثّل حالة إشكالية في هذا النظام، ليس لأنها دولة معزولة أو فاقدة للشرعية، بل لأنها حاولت، ولو بحدود، كسر نمط التبعية الذي حكم علاقتها بالولايات المتحدة والأسواق الغربية لعقود. إعادة توجيه صادرات الطاقة، نسج تحالفات مع قوى دولية منافسة، والإصرار على إدارة الموارد الوطنية خارج الإملاءات الخارجية، كلها خطوات وضعت كاراكاس في خانة «الدولة المتمرّدة» على قواعد اللعبة غير المعلنة.

 

في المقابل، جاء الرد عبر منظومة ضغط متكاملة. العقوبات لم تُفرض بهدف تعديل سلوك سياسي محدّد، بل لتحويل الاقتصاد إلى ساحة إنهاك دائم، تُضعف الدولة من الداخل وتفقدها القدرة على المناورة. ومع كل فشل في إحداث تغيير سياسي حاسم، يُرفع مستوى الضغط، سواء عبر التهديد الأمني، أو عبر تشديد العزلة المالية، أو عبر الاستثمار في الانقسامات الداخلية.

المسألة الأخطر هنا أن القوة لم تعد أداة أخيرة بعد استنفاد السياسة، بل باتت السياسة نفسها تُدار بمنطق القوة. لم يعد مطلوبًا بناء توافق دولي واسع أو تقديم سردية أخلاقية متماسكة؛ يكفي اتهام جاهز، أو توصيف إعلامي مختصر، لتبرير إجراءات قسرية طويلة الأمد. هذا ما يجعل الحالة الفنزويلية نموذجًا يُحتذى، لا استثناءً يُخشى تكراره.

الأبعاد الدولية لهذه المواجهة تتجاوز فنزويلا. فهي رسالة موجهة إلى دول أخرى في أميركا اللاتينية، وإلى دول الجنوب عمومًا، بأن حدود الاستقلال مسموح بها طالما بقيت شكلية. أما حين تتحول إلى قرار سيادي فعلي في مجالات الطاقة أو التحالفات أو التموضع الجيوسياسي، فإن الرد سيكون سريعًا وقاسيًا.

وفي هذا السياق، يتراجع دور المؤسسات الدولية، التي يُفترض أن تشكّل إطارًا ضابطًا للعلاقات بين الدول. فهي إما عاجزة عن التدخل، أو تُستخدم كأداة إضافية في منظومة الضغط، ما يعمّق شعور الدول الضعيفة بأن النظام العالمي لم يعد ساحة تفاوض، بل حلبة اختبار للقوة والتحمّل.

الخلاصة أن فنزويلا ليست أزمة محلية ولا حالة استثنائية، بل علامة على مرحلة دولية جديدة، تتسم بتصلّب موازين القوى، وتراجع الخطاب التوافقي، وارتفاع كلفة الاستقلال السياسي. في عالم كهذا، لا يكفي امتلاك الموارد أو الشرعية الداخلية، بل يصبح السؤال الأساسي: هل تملك الدولة القدرة على الصمود حين يُطلب منها التراجع؟

ومن هنا، لا يعود السؤال: ماذا يحدث في فنزويلا؟ بل: أي دول ستُجبر غدًا على الاختيار بين التبعية أو المواجهة المفتوحة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى