اقتصاد

لماذا يرى صندوق النقد أن اليوان الصيني مقوَّم بأقل من قيمته؟


يُعد “اليوان” عملة الصين الرسمية، غير أنّ هذه العملة تحوّلت إلى مصدر إشكالية يتجاوز حدود البلاد ليطال الاقتصاد العالمي بأسره.

ولا ترتبط معضلة العملة الصينية بكيفية لفظ اسمها، ولا حتى بالطموحات التي يقودها الرئيس الصيني شي جين بينغ، لتعزيز مكانتها كعملة قوية يمكن تقديمها كبديل عن الدولار في نهاية المطاف، بل في آلية تسعيرها، فالسعر المعتمد لصرف اليوان والذي من شأنه أن يُحقق استقراراً للاقتصاد الصيني، لا يتوافق مع السعر الذي من شأنه أن يُحقق التوازن للاقتصاد العالمي.

ما دلالات تجاوز الصين الولايات المتحدة كشريك رئيسي لألمانيا؟
وتأتي هذه الخلاصة من تقرير صندوق النقد الدولي السنوي حول صحة الاقتصاد الصيني، الصادر في 18 فبراير 2026، الذي أكد أن اليوان مُقدّر بأقل من قيمته الحقيقية بحوالي 16 في المئة، وهذا أكبر تفاوت في القيمة منذ عام 2011، حين أشارت الحسابات إلى أن اليوان مُقدّر بأقل من قيمته الحقيقية، بحوالي 23 في المئة، علماً أن صندوق النقد الدولي هي أقرب جهة محايدة في العالم فيما يتعلق بنزاعات العملات.

أصل المشكلة
وبحسب تقرير أعدته “ذي إيكونوميست”، واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإن أصل المشكلة يكمن في انهيار سوق العقارات في الصين قبل أكثر من أربع سنوات، حيث أدى ضعف تعافي الاقتصاد منذ ذلك الحين، إلى وضع الشركات الصينية في موقف صعب، خصوصاً مع انخفاض أسعار المنتجين الصناعيين لمدة 40 شهراً متتالياً. وبالتالي فإن هذا الانخفاض في الأسعار المحلية، جعل السلع الصينية منافسة بشراسة في الخارج.

بكين تحت المراقبة
وساهم رخص اليوان في طفرة الصادرات الصينية، مما وفر حماية لاقتصاد البلاد، ولكن ذلك أدى أيضاً إلى اختلال توازن التجارة العالمية وأثار قلق الشركاء التجاريين لبكين، فالصين تخضع لمراقبة وزارة الخزانة الأميركية بحثاً عن أي تلاعب بالعملة، كما يشكو الاتحاد الأوروبي من “المنافسة غير العادلة” التي تقوم بها، وهو لذلك يعتزم وابتداءً من يوليو 2026، فرض رسوم بقيمة 3 يوروهات (3.54 دولار) على كل طرد يصل من الصين تقل قيمته عن 150 يورو، حيث تأتي معظم هذه الطرود من مواقع التجارة الإلكترونية الصينية.

لغز الفائض المالي
وإحدى العلامات الواضحة على انخفاض قيمة اليوان، هي حجم فائض الحساب الجاري للصين، والذي يشمل ميزانها التجاري بالإضافة إلى الدخل الذي تجنيه من أصولها الخارجية.

وبينما توقعت نماذج صندوق النقد، أن تحقق دولة مثل الصين فائضاً بنسبة 0.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تبين أن الفائض بلغ 3.7 في المئة في العام الماضي. ولو كان الصندوق على علم بالرقم الحقيقي للفائض عند إعداد تقريره النهائي عن صحة الاقتصاد الصيني، لكان قد رجّح أن اليوان مقوّم بأقل من قيمته الحقيقية بنحو 19 في المئة وليس 16 في المئة.

تشكيك بالأرقام الرسمية
ويعتقد بعض الاقتصاديين أن الفائض الحقيقي للحساب الجاري في الصين، أكبر مما تشير إليه الأرقام الرسمية، إذ ظل الدخل الذي تجنيه البلاد من حيازاتها الضخمة من الأصول الأجنبية، بما في ذلك السندات الحكومية والقروض والاستثمارات الأجنبية المباشرة، راكداً منذ العام 2021، على الرغم من ارتفاع أسعار الفائدة العالمية منذ ذلك الحين. وهذا المسار يبدو غريباً، إذ انخفض العائد الضمني على الأصول الأجنبية الصينية، في حين ارتفع في جميع الاقتصادات الكبرى الأخرى.

ووفقاَ لبراد سيتسر من مجلس العلاقات الخارجية، وهو مركز أبحاث أميركي، فإن الصين إما تقلل من شأن أرباحها أو تكشف عن نفسها كمستثمر أجنبي غير كفؤ.

اقتراح صندوق النقد
وفي الوضع الراهن، سيتعين على سعر صرف العملة الصينية، أن يخضع لعملية تصحيح، ولكن ارتفاع اليوان بشكل مفرط وسريع في أسواق العملات، يعني فقدان القدرة التنافسية للصناعات الصينية، وهذا ما سيُعرّض الانتعاش الاقتصادي للصين للخطر ويُعمّق اتجاهات الانكماش.

ولذلك يقترح صندوق النقد الدولي حلاً بديلاً، إذ يرى أنه على الحكومة الصينية خفض إنفاقها على الدعم الصناعي وزيادة إنفاقها على معاشات التقاعد الريفية والرعاية الصحية ومكافحة الفقر ودعم سوق العقارات، حيث من شأن هذا الإنفاق الإضافي أن يُحفّز الاقتصاد بشكل مباشر، كما أنه قد يُساهم بشكل غير مباشر في تعزيز الثقة بشبكة الأمان الاجتماعي في الصين، من خلال تحرير جزء من مدخرات الأسر.

كما أنه من شأن حزمة التحفيز التي يقترحها صندوق النقد الدولي أن تُعزز الاقتصاد الصيني، فبالإضافة إلى تأجيل سن التقاعد، ستُضيف نصف نقطة مئوية إلى معدل النمو السنوي في المتوسط على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ومن شأن هذا الحل أيضاً أن يُقلل من قدرة السلع الصينية على المنافسة في الخارج، ويُقلص فائض الميزان التجاري للبلاد، بأكثر من 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث سيُصبح الاقتصاد العالمي أكثر توازناً، ما سيخفف الضغط على الشركاء التجاريين.

لماذا يثير اليوان الجدل مجدداً؟
ويقول كبير محللي الأسواق في easyMarkets خالد الخطيب، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن الجدل حول تسعير اليوان عاد إلى الواجهة مجدداً، مع اتساع الفجوات التجارية، واستمرار قوة الصادرات الصينية، وهو ما يرتبط جزئياً بتراجع قيمة العملة الصينية خلال الفترة الأخيرة، حيث يأتي هذا النقاش، في وقت تتزايد فيه التوترات التجارية والجيوسياسية، مشيراً إلى أن تقييم صندوق النقد الدولي يعيد الضغوط الدولية على بكين، للمضي نحو قدر أكبر من المرونة في سعر الصرف، بهدف تخفيف الاختلالات التجارية وتجنب تصاعد التوترات الاقتصادية.

واعتبر الخطيب أن الملفت هو أن الجدل حول دور العملة في دعم التنافسية لا يقتصر على الصين فقط، ففي الولايات المتحدة، سبق للرئيس دونالد ترامب أن أشار إلى أن قوة الدولار لفترات طويلة أضعفت القدرة التنافسية للصناعة الأميركية، معتبراً أن العملة الأضعف قد تدعم الصادرات والقطاع الصناعي، وهو ما يعكس كيف أصبحت أسعار الصرف جزءاً أساسياً من النقاش الاقتصادي العالمي.

حسم قسري
ويعتبر الخطيب أن اليوان المقوّم بأقل من قيمته، يعني أن الصين تمنح العالم “حسماً قسرياً” على كل ما تنتجه، فاليوان الرخيص يجعل السلع الصينية تبدو أرخص مما هي عليه فعلياً في الأسواق الدولية، ما يسمح لمصانعها باكتساح المنافسين، مشدداً على أن العملة الضعيفة هي “سلاح ذو حدين”، فهي من جهة تدعم التصدير، ومن جهة أخرى تجعل السلع الأجنبية باهظة الثمن بالنسبة للمواطن الصيني، مما يحرمه من القدرة الشرائية ويُبقي الاقتصاد العالمي في حالة من عدم التوازن، لافتاً إلى أن الصين تصنّع وتصدّر، ولكنها لا تستهلك بما يكفي من إنتاج الآخرين.

ويرى الخطيب أن الحلّ الذي اقترحه صندوق النقد على الصين يبدو حلاً منطقياً، فهم طلبوا منها توجيه الأموال نحو جيوب المواطنين عبر الرعاية الصحية والمعاشات بدلاً من ضخها في المصانع، والفكرة هنا هي تحويل الصين إلى اقتصاد يقوده الاستهلاك المحلي. لكن من وجهة نظر بكين، الأمر ليس بهذه السهولة؛ فالنموذج الصناعي هو “العمود الفقري” لاستقرارها الاجتماعي والسياسي، فهو الذي يوفر ملايين الوظائف ويضمن سيطرة الدولة. التحول الجذري نحو الاستهلاك يعني تفكيك نظام نجح لعقود، وهو مخاطرة لا يبدو أن القيادة الصينية مستعدة لخوضها بسرعة قد تهدد النمو قصير الأمد.

هل تستجيب الصين؟
ويعتبر الخطيب أنه من غير المرجح رؤية تحوّل دراماتيكي في الموقف الصيني تجاه سعر صرف اليوان، فبكين تتبع عادة سياسة “التغيير الحذر والبطيء”، كما أنها تحافظ على نموذجها التصديري لارتباطه المباشر بالاستقرار الاجتماعي والسياسي، لافتاً إلى أن إصرار الصين على التصدير المفرط، سيظل “فتيلاً” لاشتعال النزاعات التجارية، خصوصاً مع الولايات المتحدة وحلفائها الذين بدأ صبرهم ينفد تجاه الاختلالات التجارية القائمة.

اليوان الضعيف وحرب الرقائق
وتقول الصحفية الاقتصادية باتريسيا جلاد، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن النقاش حول تقييم اليوان، لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام النقدي العالمي، إذ أن المسألة لم تعد مجرد خلاف تقني حول سعر صرف، بل أصبحت مرتبطة بإعادة توزيع موازين القوى الاقتصادية بين الشرق والغرب، حيث أن الصين وعبر إدارتها المحكمة لسعر عملتها، لا تسعى فقط إلى دعم صادراتها، بل إلى الحفاظ على استقرار نموذجها التنموي في مرحلة دقيقة تتسم بتباطؤ النمو وارتفاع المخاطر الداخلية.

نظام عالمي يتشكّل… والدولار أمام اختبار القوة
وترى جلاد أن النقطة التي لا يلمسها تقرير صندوق النقد، هي أن بكين تستخدم اليوان الضعيف كحائط صد أمام “حرب الرقائق”، والقيود التقنية الغربية التي تتعرض لها، فمن خلال خفض كلفة الإنتاج عبر العملة، تعوض الشركات الصينية خسائرها الناجمة عن صعوبة الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة في المرحلة الراهنة، مما يجعل “رخص العملة” هو المحرك الحالي للنمو بدلاً عن التفوق في التقنية، بمعنى آخر فإن انخفاض قيمة اليوان يُوظف كأداة استراتيجية لتعزيز القدرة التنافسية للصناعة المحلية وسط القيود العالمية وخصوصاً الأميركية على وصول الصين للتكنولوجيات المتطورة التي تُشكل مستقبل الاقتصاد العالمي.

الاستهلاك أم التصنيع؟
وبحسب جلاد، فإنه فيما يخص مقترح الصندوق بتحفيز الاستهلاك المحلي بدلاً من دعم الصناعة، فإن الإشكالية الحقيقية بهذا الشأن هي “العقد الاجتماعي” الصيني، إذ تخشى بكين أن يؤدي رفع قيمة اليوان وزيادة الإنفاق الاجتماعي، إلى تحويلها لنظام “دولة الرفاه” على النمط الأوروبي، وهو ما تعتبره القيادة الصينية سبباً في “الكسل الاقتصادي” وتراجع الإنتاجية، معتبرةً أن الصين تفضل الانكماش المنضبط على التضخم الاستهلاكي، لأن الأول يبقي آلة التصنيع تعمل، بينما الثاني قد يرفع تكلفة المعيشة ويخلق اضطرابات اجتماعية غير محسوبة.

The post لماذا يرى صندوق النقد أن اليوان الصيني مقوَّم بأقل من قيمته؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى