الإيجارات ترتفع… والقدرة الشرائية على حالها

بدأ السوق العقاري اللبناني يشهد مؤشرات تحسّن تدريجي، وإن كان بوتيرة حذرة، بعد سنوات من الركود والتقلبات الاقتصادية. بعض المناطق، ولا سيما أحياء بيروت مثل الأشرفية، تسجل نشاطًا نسبيًا في عمليات البيع والشراء، ما يعكس انتعاشًا بطيئًا لكنه ملموس في القطاع.
يبرز ارتفاع بدلات الإيجار كأحد أبرز التحديات التي تواجه المستأجرين، خصوصًا مع محدودية المعروض من الشقق الجيدة مقابل طلب مستمر. هذه الفجوة بين القدرة الشرائية للمواطنين والأسعار السائدة لا تعكس بالضرورة خللًا في التسعير، بل هي نتيجة طبيعية لتوازن العرض والطلب في السوق العقاري.
الفروق بين المناطق واضحة بشكل كبير. بينما تتراوح بدلات الإيجار في الأشرفية بين 1,500 و1,800 دولار للشقق المتوسطة، قد تصل الشقق الفخمة إلى نحو 3,000 دولار شهريًا، أما في المتن فتتراوح الإيجارات بين 700 و800 دولار للشقق العادية. ويُظهر هذا الواقع أن تقييم قيمة الشقة يجب أن يأخذ بالاعتبار العائد المحتمل مقارنة بالقيمة الإجمالية للعقار، بما يوازن بين مصالح الملاك والمستأجرين.
مسار إيجابي
يوضح أمين سر “جمعية مطوّري العقار في لبنان” مسعد فارس لـ “نداء الوطن”، أن “المعطيات المتوافرة تظهر أن السوق بدأ يسلك مسارًا أكثر إيجابية، ولو بوتيرة حذرة. صحيح أن حركة البيع والشراء لا تزال دون المستويات التي كانت سائدة في السنوات المزدهرة، إلا أن ثمة مؤشرات مشجّعة تدل على تحسّن تدريجي يلحظه العاملون في القطاع”.
يلفت فارس إلى أن “هذا التحسّن يبقى متفاوتًا بحسب المناطق. ففي بيروت على سبيل المثال، تسجَّل حركة أنشط نسبيًا في بعض الأحياء، ولا سيما في الأشرفية، حيث يتحدّث معنيّون عن انتعاش بطيء ولكنه ملموس”.
وعند مقارنة الوضع بالسنوات القليلة الماضية، يرى فارس أنه “يمكن القول إن وتيرة التحسّن انطلقت هذا العام في وقت أبكر نسبيًا”. إلا أنه يؤكد أن “المشهد لا يزال بعيدًا من المستويات التي كانت قائمة قبل عام 2019، ما يستدعي مقاربة واقعية تأخذ في الاعتبار طبيعة التعافي التدريجي الذي يشهده السوق”.
ارتفاع بدلات الإيجار
بالانتقال إلى الحديث عن أسباب ارتفاع بدلات إيجار الشقق السكنية، يُشدّد فارس على أنه “من الضروري مقاربة مسألة بدلات الإيجار من منظور اقتصادي علمي. صحيح أن بعض الأسعار تبدو مرتفعة قياسًا إلى القدرة الشرائية الحالية، إلا أن تقييمها لا يمكن أن ينفصل عن معادلة العرض والطلب”.
ويوضح أنه “فعليًا، المعروض من الشقق الجيدة محدود، في مقابل طلب لا يزال مرتفعًا نسبيًا في بعض المناطق، ما يُبقي الأسعار عند مستويات متقدمة. وبالتالي، قد تبدو الأرقام مرتفعة على شريحة واسعة من المواطنين نتيجة تراجع الدخل، لكن وفق منطق السوق البحت، لا تُعدّ هذه الأسعار غير مبرّرة بالكامل”.
ويُعطي مثالًا: “في الأشرفية، يتراوح بدل إيجار الشقة المتوسطة الجيدة بين 1,500 و1,800 دولار شهريًا. أما في الأبنية الجديدة والفخمة، فقد تتجاوز البدلات 2,500 إلى 3,000 دولار شهريًا، تبعًا للمواصفات والموقع”.
ويشير إلى أن “هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين القدرة الشرائية الفعلية ومستوى الأسعار السائد، أكثر مما يعكس خللًا مباشرًا في آلية التسعير نفسها، في ظل محدودية العرض واستمرار الطلب ضمن فئات معيّنة”.
يضيف: “عند الحديث عن أسعار الإيجارات، من المهم النظر إلى المناطق المختلفة وتأثيرها على القيمة والعائد المحتمل. بينما تُعتبر أسعار الشقق في أحياء مثل الأشرفية أو الروشة مرتفعة نسبيًا، يمكن ملاحظة فرق واضح عند الانتقال إلى مناطق أخرى مثل المتن، حيث تتراوح الإيجارات بين 700 و800 دولار للشقق العادية، وقد تصل إلى 1,000 دولار في بعض الحالات الاستثنائية. هذا الواقع يُظهر أن تقييم قيمة الشقة لا يقتصر على سعر الإيجار فحسب، بل يجب أن يُؤخذ بالاعتبار العائد المتوقع (percentage return) مقارنةً بالقيمة الإجمالية للشقة، خاصة عند التفكير في الاستثمار العقاري أو تقييم جدوى الشراء”.
ارتفاعات طفيفة وبطيئة
إذًا،”يبدو أن السوق يسير في اتجاه إيجابي ومدروس، مع ارتفاعات طفيفة وبطيئة تتيح الوصول إلى مستويات الأسعار المناسبة مقارنة بالقيمة الحقيقية للعقارات. هذا التصحيح يعكس تجاوز أخطاء التسعير السابقة، ويتيح استقرارًا نسبيًا في حركة البيع والشراء، مع الحفاظ على إمكانية تحقيق عوائد منطقية للمستثمرين والملاك، بعيدًا من المضاربات المفرطة”.
ويقول فارس: “هذه الأشهر تشهد نشاطًا قويًا في السوق العقاري، لكن من منظور اجتماعي يبدو الإيجار مرتفعًا بالنسبة للقدرة الشرائية للعديد من الناس. ومع ذلك، من منظور علمي واقتصادي، الأسعار ليست مبالغًا فيها، إذ تعكس القيمة الحقيقية للعقار مقارنة بالإيجار الذي يمكن تحصيله”.
ويتابع: “عند تقييم الإيجار بالنسبة للدخل الفردي، قد يبدو السعر مرتفعًا، لكن في الواقع السوق يوازن بين العرض والطلب. من غير الممكن أن يُطلب من مالك الشقة تخفيض السعر بشكل تعسفي، إذ أنه سيجد دائمًا مستأجرين قادرين على الدفع وفق السعر السائد، بينما من يرغب في الدفع أقل يجب أن يبحث عن خيارات تتناسب مع قدراته”.
إذا “ركّزنا على قطاع الإيجار والتأمين على السكن”، يرى فارس أن “هناك عدة أشكال للسكن تتراوح بين طويل الأمد، تمتد لعشر سنوات أو عشرين سنة، وصولًا إلى الخيارات الحالية المتاحة. وفي هذا الإطار، يطرح التساؤل حول دور المؤسسات العامة، مثل المؤسسة العامة للإسكان”.
سياسة إسكان
من هنا، يُشدد على أن “الحاجة تبرز إلى وضع سياسة إسكان واضحة ومنضبطة توازن بين القدرة الشرائية للأفراد ومتطلبات السوق العقاري. وقد نُظِّم اجتماع لمناقشة هذا الموضوع بحضور وزير الشؤون الاجتماعية، حيث تم بحث سبل تطوير سياسات إسكان فعّالة تواكب الاحتياجات الحقيقية للمواطنين وتحقق استقرارًا في القطاع العقاري”، لافتًا إلى أن “الحكومة الجديدة تضم مزيجًا من الأشخاص ذوي الخبرة وأصحاب الكفاءات المتنوعة، مما يتيح فرصة للبدء بوضع خطط واضحة ومنسّقة لمعالجة القضايا الملحة في القطاع العقاري”.
هل من توجّه اغترابي؟
ولدى سؤال فارس هل من إقبال من قبل المغتربين للاستثمار في السوق العقاري؟ يُجيب: “حاليًا، يعتمد السوق العقاري بشكل رئيسي على اللبنانيين المقيمين داخل لبنان، وهم يشكّلون الجزء الأكبر من الطلب الفعلي. السوق الذي نراه اليوم بطيئًا، ويثير التفاؤل بحذر، يُعتبر سوقًا صلبًا، إذ إن المشترين الأساسيين هم اللبنانيون المقيمون ويقومون بعمليات شراء مدروسة وواقعية، أما اللبنانيون المقيمون في الخارج، فعددهم في السوق قليل جدًا، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الوضع الأمني والاقتصادي الذي يقلّل من قدرتهم ورغبتهم في الاستثمار العقاري في الوقت الراهن”.
يسلك السوق العقاري اللبناني مسار التعافي التدريجي، مع مؤشرات إيجابية لكنها حذرة، تعكس محاولة الموازنة بين استقرار الأسعار وتحقيق عوائد منطقية للمستثمرين والملاك. وفي الوقت نفسه، تظل مسألة ارتفاع بدلات الإيجار تمثل تحديًا اجتماعيًا واقتصاديًا ملموسًا، يتطلب حلولًا مدروسة تراعي القدرة الشرائية للمواطنين دون الإضرار بتوازن السوق. إن فهم هذا الواقع يجعل من الضروري وضع سياسات إسكان واضحة، تواكب الاحتياجات الحقيقية للأفراد، وتوفر خيارات متنوعة للسكن، بما يحقق استقرارًا في السوق ويحد من الفجوة بين العرض والطلب. ومع ذلك، يبقى على اللبنانيين والمستثمرين على حد سواء التعامل مع السوق بعقلانية، واعتماد قرارات شراء واستئجار مبنية على تقييم دقيق للقيمة الفعلية للعقارات والإيجارات، بعيدًا من المضاربات والتقلبات العشوائية.
بهذا الشكل، يستمر السوق في السيْر نحو تصحيح الأسعار وتحقيق توازن نسبي، ما يوفر فرصة للاستقرار العقاري والنمو المدروس، ويتيح لكل طرف في المعادلة-مالكًا ومستأجرًا – التخطيط بوضوح للمستقبل ضمن حدود الإمكانيات الواقعية.
The post الإيجارات ترتفع… والقدرة الشرائية على حالها appeared first on Lebanon Economy.



