اقتصاد

الإفطار في المطاعم ترف في زمن الأجور المتآكلة


عملياً لم تتغيّر قيمة فواتير الطعام في المطاعم فقط، بل تغيّرت وظيفة الخروج إلى المطعم أيضاً، من خيار اجتماعي متاح لشريحة أوسع، إلى قرار محسوب يرتبط بالقدرة على تحمّل كلفة باتت تُقاس بحجم المدخول الشهري، إذ ارتفعت تكلفة إفطار الشخص الواحد من 15 دولاراً قبل خمس سنوات، إلى 65 دولاراً اليوم، ما يختصر تحوّلاً أعمق في نمط العيش، يمسّ مختلف فئات المجتمع.

تكفي مقارنة سريعة بين تكلفة الإفطار للشخص الواحد منذ 5 سنوات لفهم حجم التحوّل. ففي عام 2020، ومع بداية انفلات سعر صرف الدولار، بلغت قيمة أغلى وجبة إفطار 15 دولاراً. وفي عام 2024 ارتفعت قيمة الوجبة إلى 35 دولاراً، إنّما لم ينظر لهذه القفزات على أنها استثناء قياساً بمسار التضخّم. أما في عام 2025، فقد استقر الحد الأدنى لقيمة وجبة الإفطار في بعض مطاعم العاصمة عند 40 دولاراً، ومن دون سقف أعلى لقيمة الوجبة الواحدة بدأت الأسعار تأخذ مساراً تصاعدياً شبه متواصل.

ومع بداية شهر رمضان من كل عام، تعلن المطاعم عن لوائح إفطاراتها، والتي تتنوع بين «بوفيهات مفتوحة»، وبين قوائم محددة تشمل طبقاً رئيسياً مع مقبلات وحلويات رمضانية. إلا أنّ هذه العروض تتفاوت أيضاً بالأسعار تبعاً للموقع الجغرافي، وطبيعة المطعم، ومستوى الخدمة، ما يفتح باب المقارنة بين العاصمة والأطراف، وبين المناطق ذات الطابع السياحي، وتلك ذات الكثافة السكنية المرتفعة.
في بيروت، تبدأ أسعار الإفطار الرمضاني في عدد من المطاعم من 40 دولاراً للشخص الواحد، وتصل في بعض الأماكن إلى 65 دولاراً، ولا سيما في الفنادق والمطاعم المصنّفة «فاخرة» أو التي تقع في ما يعرف بـ«البلد».

في المقابل، تتفاوت الأسعار في الضاحية الجنوبية، حيث الكثافة السكانية الأعلى، بين 6 دولارات و35 دولاراً للشخص الواحد، وفقاً لطبيعة المطعم أيضاً وموقعه. أما في جنوب لبنان، ورغم الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة بشكل يومي، فتحت المطاعم أبوابها، وبلغت التكلفة الوسطية للإفطار فيها معدلاً وسطياً قدره 15 دولاراً، إلا أنّها وصلت في عدد من المطاعم إلى 40 دولاراً، لا سيّما في المدن الساحلية. وفي شمال لبنان، من البترون وصولاً إلى عكار، تتراوح أسعار الإفطارات من 15 إلى 50 دولاراً للشخص الواحد. ويُسجَّل ارتفاع نسبي في المناطق الساحلية ذات الطابع السياحي، مقارنة بالمناطق الداخلية.

يبرّر أحد أصحاب المطاعم في بيروت رفع تكلفة الإفطار بارتفاع الكلفة التشغيلية، موضحاً أن «الإيجارات، وفواتير الكهرباء، وأسعار المواد الغذائية المستوردة، كلها عوامل تؤثر في السعر». ويؤكد أن «بعض المطاعم تعتمد هامش ربح منخفض خلال شهر رمضان مقابل زيادة عدد الزبائن». بالنسبة إليه، 50 دولاراً على الشخص سعر عادل، «في شهر رمضان نطلب 50 دولاراً مقابل البوفيه المفتوح، وتقدّر التكلفة حسب ما يطلبه الزبون في الأيام العادية. على سبيل المثال إذا طلب وجبة غذاء تصل قيمة فاتورته لحوالي 40 دولاراً، من دون احتساب ثمن المشروب الإضافي أو الحلويات».

في المقابل، يلفت صاحب مطعم في عكار إلى أن «الزبائن في المناطق خارج العاصمة أكثر حساسية تجاه الأسعار»، وهو ما يدفع المطاعم إلى «وضع عروض متنوعة تناسب شرائح مختلفة، ففي المنطقة هنا لا يمكن أن تجد عرض إفطار بأكثر من 25 دولار مع المشروب والحلويات الرمضانية».

عملياً، يعكس التباين في تكلفة الإفطارات في المطاعم تبايناً في الأوضاع الاقتصادية للسكان، إذ يصل الفارق إلى 10 أضعاف بين الحد الأدنى للأسعار في بعض مناطق الضاحية (6 دولارات)، والحد الأعلى في عدد من المطاعم في بيروت (65 دولاراً). وهذا التفاوت تعبّر عنه الناس بشكل واضح، إذ ، ترى آية، المعلمة في مدرسة خاصة، أن «مبلغ 30 دولاراً للشخص الواحد يُعتبر غالياً جداً مقارنة بقيمة الأجور»، بينما يشير إبراهيم، الموظف في شركة خاصة إلى أنّ «مبلغ 50 دولاراً في أحد مطاعم بيروت الفاخرة يُعتبر جيداً جداً، خصوصاً إذا كانت الخدمات متناسبة مثل تقديم الطعام على شكل بوفيه». ويضيف أن الإفطار في هذه الحال «يُنظر إليه كخروج استثنائي وليس عادة يومية».

في المقابل يرى علي الذي يعمل في شركة توصيل أنّ «الأسعار في الضاحية الجنوبية أكثر ملاءمة»، إذ «يمكن إيجاد إفطار جيد بسعر يتراوح بين 15 و20 دولاراً، وهو مبلغ يمكن تحمّله مرة أو مرتين خلال الشهر، فضلاً عن أن الإفطار الذي تجده في الضاحية، يصل سعره في بيروت إلى 50 دولاراً».

 

The post الإفطار في المطاعم ترف في زمن الأجور المتآكلة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى