اقتصاد

زيادة الضرائب عوضاً عن خفض حجم الدولة


قرّرت الدولة اللبنانية زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1%، لتمويل زيادة الرواتب للقطاع العام، فما هو التأثير الإقتصادي والمالي والنقدي، وحجم التضخُّم جرّاء هذا القرار العشوائي؟

نُذكِّر أنّ لبنان يُواجه تضخّماً داخليا وخارجياً، ونتفهّم أن يكون هناك مطالب شعبية لزيادة الرواتب ومداخيل القطاعَين العام والخاص، نظراً إلى زيادة الكلفة المعيشية الكارثية وتراجع نسبة العيش، بعد 6 سنوات من أكبر أزمة إقتصادية، مالية ونقدية في تاريخ العالم، وخصوصاً بعد هدر وحجب ودائع ومدّخرات الشعب اللبناني ككل.
لكن على رغم من كل هذه المطالب المحقّة والمنطقية، علينا التطرّق إلى الأرقام الإقتصادية بطريقة موضوعية وعلمية.

نُذكّر أنّ حجم الإقتصاد اللبناني والناتج المحلي كان يوازي في العام 2019، بحسب مرصد البنك الدولي، نحو 50 مليار دولار، أمّا في العام 2025 فانخفض حجم اقتصادنا إلى 35 ملياراً، أي تراجع بما يقارب الـ30%.

من جهة أخرى، إنّ قيمة العملة الخضراء قد تراجعت عبر السنوات بأكثر من 25%، هذا يعني أنّه في إمكاننا القول إنّ الناتج المحلي اليوم قد تراجع تقريباً 50% ممّا كان عليه في العام 2019.

من جهة ثالثة، في العام 2019، كان لدى القطاع العام نحو 350 ألف موظف، سواء في السلك العسكري، العاملين في مؤسسات الدولة، المتعاقدين والمتقاعدين، فلتفترض أنّ الكل كان يعمل بشفافية ومهنية وإنتاجية، فهل يُعقل أنّه بعد تراجع حجم الإقتصاد أكثر من 50%، لا يزال حجم مؤسسات الدولة عينه.

لو حصل هذا التراجع في أي شركة خاصة، فالإصلاح الأول يبدأ بتخفيض حجم الموظفين وكلفة الرواتب، والإستثمار في الأكثر إنتاجية وتطوّراً وديناميكية.

بالإضافة إلى ذلك، ليس سراً، أنّ جزءاً كبيراً من هؤلاء الموظفين كان توظيفهم سياسياً، طائفياً، مذهبياً وحزبياً، وأنّ جزءاً كبيراً منهم لا يعمل، وحتى أنّهم لا يعرفون أماكن عملهم، فيما الجزء الآخر منهم يتقاضى أضعاف رواتبه يومياً، جرّاء الفساد المستشري في جميع مؤسسات الدولة.

فهل يُعقل زيادة الرواتب بهذه الطريقة العشوائية قبل إعادة هيكلة القطاع العام وإعادة النظر في حجم الدولة التي أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، ويُمكن أن يوصلنا من جديد إلى الأسوأ؟

أمّا بالنسبة إلى زيادة صفيحة البنزين 300 ألف ليرة، فإنّها ستؤدّي مباشرة إلى زيادة أسعار الإنتاج والنقل وكل السلع المعيشية، كما ستزيد التضخّم لأكثر من 5 نقاط على الأقل. هذا يعني أنّ الدولة تعطي بيَد شيكاً من دون رصيد لموظفي القطاع العام، وتأخذ بيدٍ أخرى أضعافاً من كل الشعب اللبناني لتمويل قطاع غير منتج، لا بل يتحمّل جزءاً كبيراً من مسؤولية انهيارنا اليوم.

في المحصّلة، لا نزال نواجه سياسة التأجيل للأمور المهمّة، لأنّ لا أحد يُريد أن يتحمّل مسؤولية كرة النار هذه. فها هي الدولة تعود من جديد إلى علاجات قصيرة المدى، للهروب إلى الأمام، من دون وضع الإصبع على الجرح الحقيقي، وهو حجم الدولة، الذي يضخ السيولة من دون إنتاجية، فيما يزداد الفساد أضعافاً يوماً بعد يوم في كل مؤسساتها. هناك فرصة وحيدة لإعادة بناء حجم الدولة على أسس صالحة ومتينة، والإستثمار بموظفي القطاع العام المنتجين الذين يستحقون أضعافاً، عوضاً عن وضع الفاسدين والمنتجين في سلّة واحدة، والاختباء وراء الزيادة العشوائية التي تُموَّل من جيوب الشعب المنكوب والمذلول.

The post زيادة الضرائب عوضاً عن خفض حجم الدولة appeared first on Lebanon Economy.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى