اقتصاد

ارتدادات كارثية في الإسناد وتضخمية في الحياد


أحدث إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران صدمة فورية في الداخل اللبناني، ترجمتها موجة هلع استهلاكي تمثلت بتهافت المواطنين على السوبرماركات ومحطات الوقود لتأمين احتياجاتهم الأساسية، تزامنًا مع نهاية الشهر وقبض الرواتب. هاجس فقدان السلع من الأسواق في حال طال أمد المواجهة، والخشية من موجة ارتفاع جديدة في الأسعار التي تشهد أصلًا منحى تصاعديًا، دفعا المواطنين إلى التخزين، ولا سيما في شهر رمضان والصيام. والسؤال، ماذا عن السيناريوات المتوقعة على المديين القصير والمتوسط؟

تتفاوت حدة التأثيرات الاقتصادية جرّاء الحرب التي اندلعت وفق مجموعة من المتغيرات الاستراتيجية التي تحدد طبيعة الصراع ومداه الجغرافي والزمني. ووفق ذلك التفاوت هناك اليوم ثلاثة سيناريوات تحدّد مدى تأثيرها على لبنان:

-الأول، الفترة التي ستستغرقها الحرب قصيرة أو متوسطة الأمد.

الثاني، مدى اتساع رقعة الصراع وإمكانية دخول دول الخليج فيه.

-الثالث، مدى بقاء «حزب الله» على الحياد وعدم إقحام نفسه في إسناد إيران.

السيناريو الأول: فترة الحرب
بالنسبة إلى السيناريو الأول حول تفاوت التداعيات الاقتصادية أسوة بالفترة التي ستستغرقها العمليات العسكرية. في هذا المجال يقول مستشار الشؤون المالية والإدارية مروان القطب لـ «نداء الوطن» :

1-كلما كانت الحرب قصيرة ومحدودة، تبقى آثارها ضمن إطار الصدمة الموقتة في الأسواق. وعلى ما يبدو إنها لن تكون كذلك. إذ قد يطول أمدها لأسابيع، عندها ستتحول إلى أزمة ممتدة تؤثر في النمو العالمي، وتزيد من مخاطر الركود والتضخم، وهذا ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد اللبناني الهش أصلًا والذي لم يخرج من الأزمات المالية والاقتصادية والسياسية بعد.

اتساع رقعتها
2- في السيناريو الثاني إذا اتسعت رقعة الصراع: يبقى تأثير الحرب قابلًا للاحتواء نسبيًا إذا ظلّ محصورًا بين الأطراف المباشرة. إلا ان احتمال دخول دول الخليج في المواجهة، نتيجة استهداف هذه الدول بالاعتداءات الإيرانية، سيؤدي إلى مضاعفة التداعيات، نظرًا للدور المحوري لهذه الدول في الاقتصاد اللبناني، حيث يوجد مئات آلاف العاملين اللبنانين في هذه الدول.

تورّط لبنان
3- توريط لبنان في الحرب: يشكّل موقف «حزب الله» من الحرب إذا كان سيبقى على الحياد أو سيورط لبنان فيها، عنصرًا حاسمًا في تقدير حجم الخسائر. ففي حال بقي لبنان خارج المواجهة العسكرية المباشرة، ستقتصر التداعيات على التأثيرات غير المباشرة. أما في حال توريطه فقد يتعرض الاقتصاد اللبناني لأضرار كارثية.

التداعيات الاقتصادية الفورية
توازيًا مع السيناريوات المطروحة سابقًا حول ما إذا كانت الحرب قصيرة أو طويلة المدى محصورة أو غير محصورة بالدول الثلاث أميركا وإسرائيل وإيران أم لا، سيشهد الاقتصاد العالمي ومعه المحلّي صدمات اقتصادية محتمة وأخرى محتملة:

1. صدمة أسعار النفط والطاقة: من المرتقب حسب التوقعات أن يسلك النفط مسارًا تصاعديًا يلامس فيه سعر برميل النفط الـ 100 دولار. ويقول القطب في هذا السياق إن «مضيق «هرمز» يشكّل نقطة حساسة في الاقتصاد العالمي، وأي إقفال أو اضطراب في الملاحة فيه سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط. وهذا الارتفاع سينعكس تضخمًا عالميًا، وارتفاعًا في كلفة الإنتاج والنقل، ما سيؤثر على كلفة الطاقة في لبنان وأسعار المحروقات وسيؤدي إلى موجة من التضخم وارتفاع في الأسعار». فمضيق «هرمز» هو ممر مائي يشكّل نقطة تحكّم بالطاقة في العالم يقع بين إيران وسلطنة عمان يمرّ عبره 21 مليون برميل نفط و20 % من الغاز الطبيعي المسال. وأكثر من 80 % من الشحنات المتجهة عبر المضيق تذهب إلى آسيا: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من هنا إن أي توتر ينعكس على التجارة والطاقة والأسواق العالمية .

2. اضطراب سلاسل التوريد: إن الحرب بحسب القطب «ستؤثر في حركة الشحن البحري والجوي في منطقة تعدّ من أهمّ الممرّات التجارية بين آسيا وأوروبا. وسترتفع تكاليف النقل والتأمين، ما يزيد من أسعار السلع المستوردة إلى لبنان وقسم كبير من حاجات الاقتصاد اللبناني تؤمّن عن طريق الاستيراد، ما سيؤدي إلى ارتفاع في أسعار السلع المستوردة».

3. مسألة تراجع تحويلات المغتربين في دول الخليج ستكون مطروحة. إذ يعتمد لبنان بشكل كبير على التحويلات الخارجية، ولا سيما من دول الخليج. وأي اضطراب اقتصادي أو أمني في هذه الدول قد يؤدي إلى تراجع التحويلات، ما يخلق ضغطًا إضافيًا على الليرة اللبنانية.

4. هناك شلل سيصيب القطاعات الاقتصادية اللبنانية: فعدم اليقين الناتج عن الحرب والخشية من تورط لبنان كفيلان بإضعاف الاقتصاد اللبناني الذي يعتمد على السياحة والخدمات».

السيناريو الأخطر
من كل السيناريوات والتداعيات المعروضة سابقًا، يبقى السيناريو الأخطر وهو انخراط «حزب الله» عسكريًا في النزاع، عندها قد تتجاوز التداعيات الضغوط الاقتصادية لتتحول إلى أزمة شاملة، تتضمّن تدمير البنية التحتية، وتعطيل المرافق الحيوية، وتفاقم العجز المالي، ما قد يعرقل أي مسار إصلاحي أو خطة تعافٍ في المستقبل المنظور.

من هنا، يقول القطب «إن حجم الخسائر لن يتحدّد فقط بمسار العمليات العسكرية، بل بمدى قدرة لبنان على تجنب التورّط المباشر، وعلى احتواء التداعيات الاقتصادية غير المباشرة في بيئة مالية ونقدية شديدة الحساسية».

في ظلّ هذا الواقع ما هي الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لدرء تلك المخاطر.

ردّ فعل الحكومة والوزارات المعنية
في الساعات الصباحية الأولى من إعلان الرئيس ترامب بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران، إصطفت طوابير السيارات أمام محطات البنزين حتى أن البعض منها قلّ أو نفد مخزونها فأقفلت أبوابها بعد الظهر، أما رفوف بعض السوبركات ففرغت من المواد الأساسية وأولها الخبز.

تزامنًا، عقدت الحكومة اجتماعًا طارئًا تناولت في خلاله المستجدات، دعا بعده رئيس الحكومة نواف سلام اللبنانيين «إلى التحلّي بالحكمة والوطنية المطلوبتين لوضع مصلحة لبنان فوق أي حساب آخر في ظلّ الظروف الصعبة التي تمرّ بها المنطقة لتجنيب البلاد مضاعفات ما يحصل» ويعني بذلك تجنيب لبنان الدخول في آتون الحرب الدائرة.

وأكّد أن «الحكومة جاهزة لأي طارئ واتخذت إجراءات استباقية لاحتمالات الحرب في المنطقة وطمأن إلى أنه لا داعي للهلع والمواد الغذائية والأدوية متوافرة في الأسواق بكميات تكفي لتلبية حاجات المواطنين لمدة لا تقلّ عن شهرين لذلك لا داعي إلى التهافت على السوبرماركات ولا للوقوف في طوابير أمام محطات الوقود ولا للتوجّه إلى الصيدليات لتخزين الأدوية. والمخزون المتوفر يتمّ تجديده بشكل مستمرّ لضمان استمرار تلبية حاجات المواطنين من دون أي انقطاع.

المواد الغذائية والدوائية متوفرة

بعد الاجتماع عقد وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط اجتماعًا في الوزارة خصص لبحث ملف الغذاء والسلع الأساسية على ضوء التطورات الإقليمية في ظل تهافت المواطنين على تخزين المواد الغذائية وتعبئة الوقود. ودعا بعد انتهاء الاجتماع مع نقابات أصحاب السوبرماركات ومستوردي المواد الغذائية وأصحاب المحطات وأصحاب المخابز والمطاحن وموزعي المحروقات ورئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز، إلى التروّي مؤكّدًا أن الخطط الموضوعة يجري العمل عليها منذ أشهر والمخزون من السلع الأساسية والمواد الغذائية كاف في المرحلة الراهنة مع استمرار التواصل لضمان انتظام سلاسل التوريد .

المخزون متوفر لأشهر
أكّد البساط في كلمته التالي:

– مخزون الطحين : هناك 46 ألف طن من القمح يكفي لأكثر من شهرين في الأيام العادية، ووصلت باخرتان إلى مرفأي بيروت وطرابلس محمّلتان بـ 25 ألف طن من القمح، والأفران تملك مخزونًا من الطحين يكفي لنحو أسبوع.

– مخزون السوبرماركت يكفي لفترة 3 أو 4 أسابيع في المستودعات فضلًا عن مخزون المستوردين الذي زاد أصلًا تحسّبًا لشهر رمضان ويكفي بين 3 و4 أشهر، فضلًا عن استمرار وصول الشحنات الغذائية بشكل دوري إلى مرفأ بيروت.

– مخزون المحروقات يكفي لأسبوعين وستصل بواخر تحتوي على 60 ألف طن من المازوت و25 ألف طن من البنزين. والمازوت المتوفر لتأمين الكهرباء يكفي لشهر وكذلك الأمر بالنسبة إلى مخزون الغاز يكفي لشهر.

المرفأ يرفع جهوزيته
بدوره، رفع مرفأ بيروت مستوى الجهوزية وفتح أبوابه 24/24 في ضوء التطورات الراهنة التي تشهدها المنطقة، والتي تستوجب أعلى درجات الجهوزية والمتابعة المسؤولة بناء على توجيهات رئاسة مجلس الوزراء، ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، لتسهيل وتسريع خروج البضائع، لضمان انسيابية سلاسل الإمداد، لا سيما ما يتصل بالمواد الأساسية المرتبطة بالأمن الغذائي الوطني والأمن الصحي بما يعزز الاستقرار التمويني ويحفظ المصلحة العامة.

حركة المطار
حركة مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت لم تتوقف رغم إعلان الحرب وارتفاع التوترات الإقليمية، لكن مستوى النشاط يتغير بشكل مستمرّ نتيجة الظروف الأمنية الراهنة، فتغيّرت مواعيد الرحلات بسبب الوضع الأمني في المنطقة والقيود المفروضة على الأجواء في بعض البلدان المجاورة التي أقفلت مطاراتها، إلا أن شركة طيران الشرق الأوسط استمرّت في تسيير رحلاتها إلى مختلف دول العالم باستثناء الرحلات إلى دول الخليج التي توقفت كإجراء إحترازي.

المحاصيل الزراعية متوفرة
في إطار متابعة تطورات القطاع الزراعي، أكّدت وزارة الزراعة في بيان أمس «استمرار توافر المحاصيل الزراعية النباتية والحيوانية في الأسواق اللبنانية بصورة طبيعية ومستقرة، بعد التشاور المستمر مع شركاء القطاع من نقابات، منتجين ومزارعين وجمعيات مهنية».

وقالت: «مع حلول شهر آذار، يشهد القطاع الزراعي ارتفاعًا موسميًا في إنتاج الخضروات ضمن البيوت المحمية وفي الحقول المكشوفة، إضافةً إلى زيادة إنتاج الدواجن والبيض واللحوم والسمك، ما يسهم في تعزيز وفرة المنتجات المحلية وتلبية احتياجات المواطنين. هذا الأداء الموسمي يعكس قدرة القطاع الزراعي اللبناني على الاستمرار في الإنتاج رغم التحديات الاقتصادية واللوجستية، ويؤكد دور المزارع اللبناني كركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني».

وأكّدت الوزارة «أن مديرياتها ومصالحها الإقليمية المنتشرة على كامل الأراضي اللبنانية تواصل عملها الدؤوب في متابعة الأسواق، وتقديم الدعم للمزارعين، وتعزيز الأمن الغذائي، وضمان توافر المنتجات الزراعية للمواطنين، في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى تحقيق إنتاج مستدام، وتأمين الأمن الغذائي، وتعزيز صمود القطاع الزراعي في مواجهة أي تحديات مستقبلية».

في ظلّ هذا الواقع، واستنادًا إلى التجارب السابقة، التي مررنا بها في السنوات الماضية، يجب أن يبقى الأمن الغذائي والدوائي في لبنان تحت السيطرة ومتوفرًا، والصناعة الوطنية ستغذي السوق المحليّ طالما أن البحر مفتوح وشحنات الفيول والقمح والأدوية تصلنا، وحتى ولو أقفل مضيق هرمز فإن خيارات أخرى متوفرة، منها الشحن البحري إلى لبنان عبر رأس الرجاء الصالح ولو أن المسار سيكون أطول ويستغرق الوقت الكثير والكلفة ستكون مضاعفة، وبذلك فالأثر سيكون تضخّميًا فحسب، مع استبعاد مطب فقدان السلع من السوق.

باتريسيا جلاد – نداء الوطن

The post ارتدادات كارثية في الإسناد وتضخمية في الحياد appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى