اقتصاد

الحرب في الخليج وصدمة أسعار النفط المرتقبة


نشرت مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانيّة مقالًا تحليليًا، تناول التأثير المرتقب للتصعيد القائم في منطقة الخليج العربي، على أسعار النفط في الأسواق الدوليّة.

المقال بدأ بالتذكير بأنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يهوى إطلاق الحملات العسكرية في عطلة نهاية الأسبوع. فعلى سبيل الذكر، في حزيران الماضي، وخلال حربٍ استمرت 12 يوماً وبدأتها إسرائيل، قصفت القوات الأميركية المواقع النووية الإيرانية يوم أحد. وبعد ذلك، اعتقلت نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا السابق، يوم سبتٍ في كانون الثاني الماضي. وكذلك ضُربت إيران مجدداً في 28 شباط الماضي، يوم سبت، عبر عشرات الضربات الأميركيّة المنسّقة مع إسرائيل، وهذا ما أفضى إلى قتل علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران.

إحدى النظريات تقول إن ترامب يتعمّد “الضغط على الزر”، وإطلاق الحملات العسكريّة، عندما تكون أسواق النفط مغلقة، ليدع الغبار ينقشع ويمنع الأسعار من الانفلات. لكن حتّى لو كان الأمر كذلك، من غير المرجح أن ينجح هذا الأسلوب هذه المرة.

تقلّبات الأسعار الحاليّة

كانت أسواق النفط متوترة بالفعل قبل التصعيد الأخير في عطلة نهاية الأسبوع. فيوم الجمعة الماضي، أغلقت الأسواق عند 73 دولاراً للبرميل، ما شكّل أعلى مستوى للأسعار منذ تمّوز الماضي. وكان هذا السعر أعلى بنحو 10 دولارات، قياسًا بما تبرره أساسيات العرض والطلب.

للمقارنة بالتوقّعات السابقة، يقتضي التذكير أنّ كثيرًا من المحللين توقّعوا “فائضاً نفطياً هائلاً”، بفعل ارتفاع المعروض في الخليج وأماكن أخرى، في مقابل طلب فاتر. وهذا ما كان يفترض أن يدفع الأسعار نحو 55 دولاراً للبرميل. وفي أوائل شباط الماضي، توقعت وكالة الطاقة الدولية فائضاً في المعروض، بقيمة 3.7 ملايين برميل يومياً لعام 2026.

لكن بدلاً من انخفاض الأسعار كما كان متوقعًا في بداية العام، أدت التوترات المتصاعدة في الخليج، إلى جانب تشديد العقوبات الغربية، إلى ارتفاع أسعار بنحو 20 بالمئة هذا السنة. وبفعل النزاع الإقليمي الراهن، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، الذي ينقل قرابة ثلث التدفقات العالمية المنقولة بحراً، قد ترتفع الأسعار بشكلٍ إضافي إلى نحو 100 دولار.

لا شيء الآن سيهدئ مخاوف المتداولين، ومدى ذعرهم. ففي مواجهة تهديد وجودي، قد تلجأ القيادة الإيرانية (أو ما تبقى منها) إلى جرّ جيرانها في الخليج إلى الأزمة، ما سيشكّل إحدى وسائلها القليلة لإجبار أميركا على العودة إلى طاولة التفاوض. وثمّة الكثير من حقول نفط في السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت الي تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وهذه الحقول مترامية الأطراف، وبالتالي يصعب الدفاع عنها. وضرب هذه الحقول، سيزيد من جنون أسواق النفط، ما سيزيد من الضغط على الإدارة الأميركيّة.

المخاطر على سلاسل التوريد

حتى لو تم تجنيب الحقول والإنتاج، فإن المجهول الثاني هو إمكانية عرقلة سلاسل التوريد، أي منع وصول الإنتاج إلى السوق. لم يُغلق هرمز أمام الملاحة البحرية قط، حتى خلال الحرب الإيرانية-العراقية في الثمانينيات. وخنقه سيستفز الصين، التي تشتري تقريباً كل نفط إيران، وتتلقى 37 بالمئة من وارداتها من الخام المنقول بحراً عبر ذلك المضيق.

ومع ذلك، بدت إيران عازمة على إغلاق المضيق. في 17 شباط الماضي، وخلال محادثات نووية مع أميركا، أغلقت إيران المضيق لبضع ساعات، لإجراء تدريبات بحرية بالذخيرة الحية، كعرض للقوة. وفي 28 شباط بثّ الحرس الثوري تحذيرات بأن الشحن عبر المضيق لم يعد مسموحاً. وبالفعل، نفّذ الحرس الثوري قراره.

لقد أصبح المضيق، فور حصول التصعيد، غير قابل للملاحة عملياً. فالتشويش على الأقمار الصناعية عطّل إشارات السفن، ما زاد خطر الاصطدامات. وألغام إيران البحريّة جعلت الملاحة أكثر خطورة. وفي الساعات الأولى من 1 آذار، أُصيبت ناقلة النفط “سكاي لايت”، التي ترفع علم بالاو، بصاروخ قبالة ساحل عُمان.

في النتيجة، رفعت شركات التأمين الأسعار، أو ألغت خدمات التأمين بالكامل للسفن التي تحاول العبور في تلك المنطقة. ولهذا السبب، تقول منصّة “كبلر”، التي تتبّع السفن، أن ما لا يقل عن خمس ناقلات عملاقة ألغت رحلاتها، بعدما كانت تعتزم عبور مضيق هرمز لالتقاط النفط في السعودية وعُمان وقطر والعراق في أوائل آذار.

الطرق البديلة لتصدير النفط باتت محدودة الفائدة. تستطيع السعودية تصدير جزء من إنتاجها عبر خط أنابيبها “شرق-غرب”، الذي يربط حقول النفط في شرق المملكة بالبحر الأحمر. ولدى الإمارات خطوط أنابيب أقصر، تتجاوز المضيق أيضاً. لكن حتّى عند عمل هذه الأنابيب بكامل طاقتها، سيبقى نحو 10 ملايين برميل من صادرات النفط اليوميّة التي يجب أن تمر بمنطقة الخليج، أي عبر دائرة الخطر.

مصير النظام

ما سيحدث للأسعار على المدى الأطول يعتمد على المجهول الثالث والأكبر: هل يستطيع ترامب تحقيق هدفه المعلن، أي تغيير النظام في إيران؟ رحيل النظام والحرس الثوري قد يسمح بتخفيف العقوبات، ما يعزز إنتاج النفط الإيراني، مع تراجع المخاطر الجيوسياسية، وهو ما سيؤدّي إلى فائض في معروض النفط وتخفيض في الأسعاد. غير أنّ الواقع الحالي لا يوحي بإمكانيّة تحقيق هذه النتيجة السعيدة بالنسبة لترامب.

السيناريو البديل هو أن “يبقى المتشددون في السلطة”. وأياً كان من يرتدي عباءة خامنئي، سيشعر هذا الزعيم أنه مضطر لإظهار القوة، بإبقاء مضيق هرمز مغلقاً وبثّ الفوضى في الخليج. ومع تنافس فصائل الحرس الثوري على السلطة، ستبقى إيران مصدرًا للتوتّر في المنطقة. وفي النتيجة، قد يتراجع إنتاج وتصدير النفط، في إيران والمنطقة، وهذا ما سيبقي الضغط على السوق.

في تشرين الثاني المقبل سيصوت الأميركيون في انتخابات الكونغرس النصفيّة. ترامب وحزبه الجمهوري، غير محبوبين في الداخل، غالبًا لأسباب ترتبط بفشلهم في تخفيض كلفة المعيشة. وارتفاع أسعار المحروقات، سيجعلهم أقل شعبية. ويشير الاحتياطي الفيدرالي إلى أنّ ارتفاعًا قدره 10 دولارات في سعر برميل النفط، سيرفع سعر غالون البنزين -خلال أيّام- بنحو 25 سنتاً. وهذا العامل، قد يكون كفيلاً بدفع ترامب لمراجعة خياراته.

The post الحرب في الخليج وصدمة أسعار النفط المرتقبة appeared first on Lebanon Economy.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى