اقتصاد

حرب الخليج وعضّ الأصابع في أسواق الطاقة


سيكون مبكرًا الجزم، منذ هذه اللحظة، بكيفيّة تداعي الآثار الاقتصاديّة للحرب القائمة في منطقة الخليج العربي. فحتّى هذه اللحظة، لم تتضح الخطوات التصعيديّة المقبلة، التي سيلجأ إليها كل طرف، بما فيها تلك التي تمسّ بالبنى التحتيّة المرتبطة بمصادر الطاقة. ولم تتضح كذلك الإجراءات الاستيعابيّة، التي ستذهب إليها مختلف الأطراف، لتقليص نطاق الضرر المالي والاقتصادي للحرب. لكنّ الأكيد حتّى هذه اللحظة، هو أنّ لعبة عضّ الأصابع قد بدأت، على المستوى الاقتصادي والمالي. والمؤشّرات بدأت تعكس أولى نتائج هذه الحرب على مختلف القطاعات الاقتصاديّة، في أنحاء العالم.

اضطرابات في أسواق الغاز

ظهرت باكرًا نتائج التصعيد الحاصل على أسواق الغاز. وكانت الشرارة التي خضّت السوق يوم الاثنين إعلان شركة قطر للطاقة عن توقّف إنتاج الغال المُسال، والمنتجات البتروليّة ذات الصلة، بعد استهدافات أدّت إلى تضرّر منشآت الإنتاج والتكرير في رأس لفّان. وفي اليوم التالي، أعلنت الشركة عن توقّف إنتاج بعض الصناعات التحويليّة والبتروكيماويّة والكيماويّة، مثل اليوريا والبوليمرات والميثانول والألمنيوم وغيرها. مع الإشارة إلى أنّ تصنيع هذه المواد يعتمد في العادة على المُستخرجات البتروليّة، التي تُعد المادّة الأوليّة الأساسيّة لهذه المنتجات.

كان هذا الإجراء كفيلاً بخض السوق. فقطر تُعتبر وحدها، ومن دون احتساب إنتاج سائر الدول الخليجيّة، مسؤولة عن تصدير 20 بالمئة من إمدادات الغاز المُسال حول أنحاء العالم، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية -بعد الولايات المتحدة الأميركيّة- في قائمة الدول المُنتجة والمُصدّرة للغاز الطبيعي. أمّا الأهم، فهو أنّ الدول الأوروبيّة باتت اليوم معتمدة على قطر لتأمين 14 بالمئة من حاجاتها من الغاز المُسال، فيما يتم تصدير الجزء الأكبر من سائر الإنتاج القطري للأسواق الآسيويّة، وخصوصًا الصين واليابان (82 بالمئة من صادرات الشركة تذهب إلى هذه الأسواق بالتحديد).

وفي حقيقة الأمر، تكتسب هذه الخضّة حساسيّة استثنائيّة لكون استهلاك الغاز المُسال، على المدى الطويل، غالبًا ما يكون مربوطًا بعقود استراتيجيّة بين المورّدين والمصدّرين، ولفترات تمتد لعقود من الزمن. وبهذا الشكل، فإنّ أي انقطاع في إنتاج مُصدّر أساسي، مثل قطر، سيؤدّي إلى انقطاعات في سلاسل توريد الطاقة التي تستفيد منها القطاعات الصناعيّة. ومن هذه الزاوية بالذات، يمكن فهم القرار الذي اتخذته شركات الهند، عند تقنينها إمدادات الغاز الطبيعي وخفض ضخّه لبعض الصناعات.

من هذه الزاوية، يمكن فهم تقلّبات الأسعار التي حصلت بين يوميّ الاثنين والثلاثاء. إذ ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 33 بالمئة، يوم الثلاثاء، بعد أن سجّلت زيادة سابقة بنسبة 40 بالمئة خلال اليوم السابق. ومع حصول هذه الخضّات، كانت صحفية فايننشال تايمز تؤكّد أنّ نقص إمدادات الغاز الطبيعي، الذي حصل خلال هذا الأسبوع، كان أكبر من النقص الذي حصل سنة 2022، في أعقاب غزو روسيا لأوكرانيا، وبعد قيام موسكو بوقف التدفّق السنوي لأكثر من 80 مليار متر مكعّب من الغاز الطبيعي.

ومن المعلوم أنّ أسواق الطاقة وسلاسل التوريد مترابطة على نحوٍ عميق، حول أنحاء العالم، إذ إنّ نقص الإمدادات في أي منطقة سرعان ما يرفع الطلب عليها في مناطق أخرى. ولهذا السبب، كانت نتيجة هذه الأحداث تسجل ارتفاعات بأجور ناقلات الغاز الطبيعي المُسال، إلى مستوى 200 ألف دولار أميركي يوميًا في المحيط الأطلسي، وهذا ما يشكّل ضعف أجورها خلال الفترة التي سبقت الحرب مباشرةً. وبطبيعة الحال، كان ارتفاع أجور ناقلات الغاز الطبيعي المُسال نتيجة لانخفاض العرض، بعد عرقلة شحنات الغاز التي كانت تتدفّق سابقًا من منطقة الخليج العربي.

الاضطراب في سلاسل توريد النفط

ثمّة أسواق معرّضة أكثر من غيرها لاضطرابات سلاسل التوريد، بفعل اعتمادها على عقود شراء النفط الخام مع دول منطقة الخليج. ومن هذه الأسواق مثلاً، الصين، المعروفة بكونها أكبر مستورد للنفط في العام، وأكبر شاري للنفط الإيراني الرخيص والخاضع للعقوبات الدوليّة، هذا فضلاً عن اعتمادها على منطقة الخليج لتأمين نصف وارداتها النفطيّة. وفي الخانة نفسها تقع الهند، التي خفّضت مؤّخرًا اعتمادها على النفط الروسي، بفعل الضغط الأميركي، في حين تعتمد على دول منطقة الخليج لتأمين 55 بالمئة من حاجاتها النفطيّة.

على هذا الأساس، من المرتقب أن تشعر الدولتان بثقل الأحداث الراهنة خلال فترة قصيرة. غير أنّ التداعيات ستمتد تلقائيًا لتطال أسواق العالم أجمع، بعد أن تلجأ الصين والهند إلى السوق العالمي لتعويض نقص إمدادات النفط لديها. وفي النتيجة، يُقدّر البنك المركزي الأوروبي أن يرتفع سعر برميل النفط على المدى المتوسّط إلى أكثر من 130 دولار أميركي للبرميل، بمجرّد تعطيل ثلث تدفقات البترول الواردة عبر مضيق هرمز. وهذا التطوّر وحده، سيكون كفيلاً برفع نسبة التضخّم في السوق الأوروبي بنسبة 0.8 بالمئة، فضلاً عن خفض نسبة النمو الاقتصادي بنسبة 0.6 بالمئة. مع الإشارة إلى أنّ نسبة التضخّم تقف أساسًا عند مستويات معتبرة تقارب الـ 2.4 بالمئة، وهذا ما يعني أنّ هذه التطوّرات سترفع مستويات التضخّم إلى مستويات تفرض رفع الفائدة لاحقاً.

في النتيجة، ما يجري يمثّل لعبة عض أصابع ينخرط فيها الجميع. فإيران تراهن على الضغط على أسواق مصادر الطاقة، لدفع الولايات المتحدة إلى الخشية من تداعيات الأحداث على نسب التضخّم في الغرب. كما تراهن على تعطيل سلاسل التوريد، لزيادة الضغط على حلفاء الولايات المتحدة الأميركيّة في منطقة الخليج العربي. غير أنّ خصوم إيران يدركون أيضًا أنّ النظام الإيراني يتألّم كذلك من توقّف صادراته النفطيّة، وهذا ما يزيد من الضغوط على اقتصاده المنهار أصلاً.

The post حرب الخليج وعضّ الأصابع في أسواق الطاقة appeared first on Lebanon Economy.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى