اقتصاد

لبنان والحرب وخطر انفلات التضخّم


لم يكن مؤشّر التضخّم السنوي، في لبنان، بأفضل حالاته خلال الربع الأوّل من السنة الراهنة. فحتّى أواخر شهر كانون الثاني، كان مؤشّر أسعار المستهلك قد سجّل زيادة سنويّة قاربت حدود 11 بالمئة، ما يمكن اعتباره نسبة مرتفعة ومؤلمة معيشيًا، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ثبات سعر الصرف منذ نحو ثلاث سنوات. فارتفاع الأسعار بالليرة اللبنانيّة بهذا القدر، بالرغم من الاستقرار النقديّ، أشّر إلى زيادة كلفة الاستهلاك بالعملة المحليّة والدولار على حدٍ سواء. وهذا ما أدّى إلى تآكل القدرة الشرائيّة لجميع الأجور، بما فيها تلك المقوّمة بالعملة الأجنبيّة، أو تلك التي تمّ تصحيحها بالليرة بعد حصول الأزمة.

إلا أنّ الحرب الراهنة ستزيد من ثقل هذا العبء المعيشي، نظرًا لتأثيرها على الضغوط التضخّمية من عدّة نواحي. فالبعد الأوّل التضخمي يرتبط بارتفاع كلفة المحروقات، ربطًا بزيادة سعر برميل النفط في الأسواق العالميّة، وهو ما سيؤثّر على أسعار مختلف أبواب الإنفاق محليًّا. كما ثمّة أبعاد تضخميّة أخرى ترتبط بأسعار الإيجارات والسكن، جرّاء أزمة النزوح، وأسعار المواد الغذائيّة، بفعل ارتفاع كلفة الشحن وتراجع الإنتاج المحلّي في المناطق المنكوبة. وتأثير كل بُعد تضخّمي، مرتبط بنسبته من سلّة استهلاك الأسر اللبنانيّة، كما يظهر في أرقام مؤشّر أسعار المستهلك الذي تُعده إدارة الإحصاء المركزي.

أسعار النفط وكلفة المحروقات

حتّى كتابة هذه السطور، كان سعر برميل النفط الخام -برنت- قد ارتفع ليتجاوز عتبة المئة دولار أميركي للبرميل، أي ما يشكّل زيادة بنسبة 40 بالمئة، مقارنة بأسعار ما قبل الحرب. ورغم كل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي حاولت تهدئة مخاوف الأسواق العالميّة، ما زالت أسعار النفط تشهد اضطرابات يوميّة على وقع أخبار وقف إنتاج وشحن النفط في منطقة الخليج العربي. مع الإشارة إلى أنّ جميع المحاولات الأميركيّة لم تفلح حتّى اللحظة في ضبط منطقة مضيق هرمز، وتأمين شحن النفط في تلك المنطقة، ولا في تحييد منشآت استخراج وإنتاج وتكرير النفط في الدول العربيّة عن الضربات الإيرانيّة. وبهذا المعنى، ستظل مسألة أسعار النفط عاملاً ضاغطاً على جميع اقتصادات العالم، حتّى نهاية الحرب.

قبل حصول التصعيد الأخير، كانت كلفة التنقّل في لبنان، التي تعكس تحوّلات أسعار النفط، قد سجّلت انخفاضًا سنويًا لغاية كانون الثاني بنسبة 0.71 بالمئة. ومن المتوقّع حتمًا أن تشهد هذه النسبة زيادة كبيرة، بالتناسب مع الزيادة في أسعار النفط العالميّة. أمّا تأثير هذه الزيادة بالذات على نسبة التضخّم الإجماليّة، فترتبط بحصّة كلفة التنقّل من سلّة الاستهلاك الإجماليّة لكل أسرة، وهي تقارب حاليّا مستوى 13.1 بالمئة. وبهذا الشكل، من البديهي أن ترتفع نسبة التضخّم الإجماليّة بنسبة تتراوح بين 4 و5 بالمئة، إذا واظبت أسعار النفط على تسجيل ارتفاعات تتجاوز 40 بالمئة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

إلا أنّ كلفة استيراد النفط لن تؤثّر فقط على باب الإنفاق المرتبط بكلفة التنقّل، بل ستؤثّر بشكل طبيعي على سائر أبواب الاستهلاك. إذ أنّ كلفة المحروقات تدخل في تسعير جميع السلع والخدمات في السوق، نظرًا لارتباط هذه الكلفة بعمليّات الشحن والإنتاج وتشغيل المؤسّسات التجاريّة. كما تدخل في تسعير الطاقة، التي تمثّل -مع سائر المشتقات النفطيّة والمياه- 11.8 بالمئة من سلّة استهلاك الأسر اللبنانيّة، بحسب مؤشّر أسعار المستهلك. وعليه، سيكون تأثير ارتفاع أسعار النفط شاملًا، وهذا ما سيزيد من الضغوط التضخميّة التي كانت تتعرّض لها السوق أصلاً قبل الحرب، كما تؤكّد الأرقام.

أسعار الغذاء والسكن

حتّى شهر كانون الثاني الماضي، كانت كلفة الغذاء في لبنان قد سجّلت زيادة سنويّة بنسبة 15.14 بالمئة، أي ما يتجاوز نسبة التضخّم الإجمالي بأكثر من أربع نقاط مئويّة. ووفق أرقام المؤشّر، مثّل هذا البند نحو 20 بالمئة، من سلّة الاستهلاك الإجماليّة للأسر اللبنانيّة، كما تحتسبها إدارة الإحصاء المركزي في مؤشّر أسعار المستهلك. ومن المعلوم أنّ هذه النسبة عكست تأثير عدّة عوامل، مثل تراجع الإنتاج المحلّي في أعقاب حرب العام 2024، وارتفاع الأسعار العالميّة.

ومن المرتقب أن تؤدّي الحرب الراهنة إلى ارتفاعات إضافيّة في هذه النسبة المرتفعة أصلاً. وهذا الارتفاع لا يرتبط فقط بارتفاع أسعار النفط، التي ترتبط بكلفة الإنتاج والشحن، بل يرتبط أيضًا بتوقّف الإنتاج في أنحاء واسعة من جنوب لبنان والبقاع الشمالي. وبحسب حصّة هذا الباب من سلّة الاستهلاك الإجماليّة، من المرتقب أن ترتفع نسبة التضخّم الإجماليّة بنسبة نقطة واحدة، في حال ارتفاع أسعار الغذاء بخمس نقاط مئويّة، بفعل الحرب الدائرة اليوم.

على مستوى كلفة الإيجار، كانت السوق قد شهدت حتّى كانون الثاني الماضي ارتفاعًا في الأسعار، بنسبة لامست 23.17 بالمئة، على أساس سنوي. وجاءت هذه الزيادة بفعل ارتفاع الطلب على المساكن المؤجّرة، في أعقاب نهاية حرب العام 2024، وما نتج عنها عن دمار كبير في الوحدات السكنيّة. وفي الوقت الراهن، وبفعل الجنون الذي ضرب أسعار الإيجارات بعد التصعيد الأخير، من المتوقّع أن تشهد هذه النسبة ارتفاعات إضافيّة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ وحدة إدارة مخاطر الكوارث، التابعة للحكومة اللبنانيّة، كانت قد قدّرت عدد النازحين الحاليين عند مستوى 816.7 ألف شخص، من بينهم 125.8 ألف شخص تم استيعابهم في مراكز الإيواء التابعة للدولة. وهذا ما يعني أنّ هناك نحو 690.9 ألف شخص، من النازحين الذين تم استيعابهم في مساكن موجودة خارج مناطق الاستهداف المتكرّر. وهذا ما يفسّر زيادة الطلب على الإيجارات في تلك المناطق، وهذا ما انعكس على كلفة هذه الإيجارات خلال الحرب.

في جميع الحالات، ستكون النتيجة لكل هذه الضغوط التضخّمية المزيد من الارتفاعات في معدلات الفقر، جرّاء عجز الأسر عن تأمين المستلزمات الأساسيّة. كما ستُضاف هذه الضغوط إلى النتائج الأخرى التي ستتركها الحرب، مثل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض مستوى الإنتاج. وجميع هذه التطوّرات، ستؤدّي في النهاية إلى تعميق الفجوات الاجتماعيّة القائمة أصلًا، وهذا ما يفرض البحث عن السياسات العامّة المطلوبة للاستجابة لهذه الأزمة.

The post لبنان والحرب وخطر انفلات التضخّم appeared first on Lebanon Economy.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى