وسط الحرب: هل يستمرّ المغتربون في تحويل الأموال لعائلاتهم؟

تعتمد الكثير من العائلات اللبنانية على تحويلات المغتربين التي باتت ركناً أساسياً من أركان الصمود الاقتصادي للعائلات في ظل الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الانهيار الاقتصادي والمالي في عام 2019، ولاحقاً تداعيات أنتشار فيروس كورونا على الحركة الاقتصادية، وصولاً إلى نتائج ما سمّي بعملية إسناد غزّة وما تلاها من حرب إسرائيلية مدمّرة على لبنان بدءاً من 23 أيلول 2024، وراهناً في ظل الحرب المستمرة. لكن في مقابل النتائج الإيجابية التي تحملها التحويلات، هناك علامات استفهام حول ضمان ديمومتها وسط انعكاسات التضخّم والمخاطر الناجمة عن تصاعد الحروب والصراعات على المستوى الدولي، والتي لا يحيد عنها لبنان.
تسجّل تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 7 مليارات دولار سنوياً، تذهب لتمويل مختلف الاحتياجات. وعلى المستوى الفردي، تشكّل هذه التحويلات دعماً أساسياً للعائلات المقيمة في مواجهة المصاعب الاقتصادية، لا سيّما في ظل الأزمات والحروب.
في الحرب الراهنة تلعب التحويلات دوراً كبيراً في تمويل إنفاق العائلات النازحة، سواء للإنفاق على الغذاء أو المسكن. وتواجه هذه العائلات ضغوطاً يزيد ارتفاع الأسعار حدّتها، لا سيّما الأسعار الجنونية لإيجارات المنازل. ويؤكّد بعض المغتربين في حديث لـِ “المدن”، أنّ ما يرسلونه لعائلاتهم، سواء للزوجة والأولاد، أو للأهل، بالكاد يكفي لتغطية النفقات الأساسية. خصوصاً في ظل غياب أي دخل جانبي كانت بعض الأسر تعتمد عليه لتغطية النفقات قبل الحرب. وعلى سبيل المثال، تقول إحدى النازحات من مدينة صور أنّها كانت تقوم ببيع وجبات طعام معدّة في المنزل، وهو عمل كانت تقوم به على سبيل ممارسة هواية الطبخ وتحسين مدخول الأسرة إلى جانب ما يرسله زوجها المغترب في إحدى الدول الإفريقية. وتشير في حديث لـ”المدن” إلى أنّ ما تحصّله من بيع الطعام كان يسد مصروف المنزل، في حين يبقى ما يرسله زوجها مدّخرات. واليوم، خسرت النازحة فرصة تحقيق إيرادات من خلال الطبخ، ليبقى مبلغ الـ1000 دولار الذي يحوّله زوجها شهرياً، هو المصدر الوحيد للإنفاق، ويوزّع حالياً بين 700 دولار لإيجار منزل في إحدى قرى الشوف، و300 دولار للأكل والشرب والملابس واحتياجات أخرى. علماً أنّ مبلغاً صغيراً كان في عداد المدّخرات، أحيل إلى الصرف لأنّ زوجها اليوم يساعد أهله في تحمّل تداعيات النزوح، فيذهب قسم من المدّخرات لتأمين احتياجات الأهل أيضاً.
وبعض المغتربين اعتادوا إرسال نحو 500 دولار إلى أهلهم، وكان المبلغ كافياً لتغطية احتياجاتهم طالما أنّهم يعيشون في بيوت غير مستأجرة ولا يحتاجون لنفقاتٍ إضافية وطارئة، في حين باتوا بفعل النزوح يحتاجون إلى تجهيز منازل جديدة، وإن بالحدّ الأدنى من المتطلّبات.
هذا الواقع زاد الضغط على المغتربين وذويهم. فالطرفان يدركان صعوبة المرحلة، وأنّ ما يُرسَل اليوم يتبخّر سريعاً بسبب النفقات المستجدّة والخوف من المجهول الذي قد يستدعي زيادة معدّل الإنفاق، كلجوء أصحاب المنازل المؤجَّرة إلى رفع الإيجارات، فضلاً عن الاحتمال المرتفع لزيادة أسعار السلع والمحروقات. الأمر الذي يقلّص القدرة الشرائية للتحويلات. ومع ذلك، تبقى التحويلات عبارة عن إيرادات لا بدّ منها للأسر التي تواجه ظروفاً صعبة، ولا أحد يمكنه جزم نهايتها، وهو أمر يتخوّف منه المغتربون. فيقول أحد المغتربين لـ”المدن”، إنّ ما يحوّله إلى أهله في الوقت الراهن، قد يصبح بلا قيمة إذا اشتدّت الحرب وانعكس الأمر على توفّر السلع في السوق وانقلب الأمر إلى فقدان للسلع وولادة الأسواق السوداء، وهذا غير مستبعد لأنّنا شهدنا الأسواق السوداء في حين كان الوضع الأمني مستقراً، فكيف سيكون الحال في ظل وضع أمني غير مستقر؟
رغم وضوح أهمية التحويلات في مواجهة ظروف الحرب، إلاّ أنّ قراءة مؤشّراتها بالنسبة لشركات تحويل الأموال، يخضع لعدّة اعتبارات. وبالتالي يمكن القول إنّ معدّل التحويلات ارتفعت ولم ترتفع في الوقت عينه. ولتبيان ذلك، تشير مصادر في إحدى شركات تحويل الأموال إلى أنّ “معدّل التحاويل ارتفع من جهة، وبقي على حاله من جهة أخرى، وذلك تبعاً لزاوية مقاربة الموضوع”. وتشرح المصادر في حديث لـِ “المدن” أنّ “المعدّل يكون قد ارتفع إذا قاربنا الموضوع من زاوية الفترة الزمنية التي نلاحظها، وهي بداية شهر آذار وتزامنه مع رمضان. فحركة التحاويل ترتفع في هذه الفترة مع بداية كل شهر، إذ يقبض المغتربون رواتبهم ويحوّلون جزءاً منها إلى ذويهم، فضلاً عن تحويلهم مبالغ مالية بمناسبة شهر رمضان”.
ومن جهة أخرى “تكون حركة التحاويل قد بقيت على حالها نسبياً إذا قاربنا الموضوع من زاوية أنّ معدّل المبالغ هو نفسه الذي يرسله المغتربون عادةً، بغضّ النظر عن وجهة استعمالها من قِبَل ذويهم، سواء لتغطية النفقات العادية أو نفقات الحرب الحالية”. والركون إلى أنّ معدّل التحاويل بقي على حاله، يستند إلى أنّه “من غير المعقول أن تكون رواتب المغتربين في الخارج قد ارتفعت بسبب الحرب في لبنان، وبالتالي مَن كان يرسل لذويه مبلغاً معيّناً، سيواصل إرساله، بعيداً عن وجهة استعماله”.
وعليه، تقول المصادر إنّه “قد يلجأ بعض المغتربين إلى زيادة تحويلاته لذويه، لكن لا يمكن تسجيلها في البيانات على أنّها تحويلات بسبب الحرب، وإنما تسجّل في الاحصاءات على أنّها زيادة في التحويل، وهو أمر طبيعي يلاحَظ في بداية كل شهر، وفي فترة رمضان. ولا يمكن الجزم بأنّ كل المغتربين زادوا تحويلاتهم بسبب الحرب، ذلك أنّ هناك تفاوتاً في مداخيل المغتربين وقدرتهم على التحويل، وهذا ما يجعل المعدّل العام للتحاويل، شبه ثابت مقارنة مع الفترة عينها من كل عام، أي بتزامنها مع بداية الشهر ومع رمضان”.
تسليط الضوء على أهمية توجيه بعض التحويلات نحو دعم صمود العائلات التي تعاني بشكل مباشر من تداعيات الحرب، لا يعني اختصار المشهد الذي يتضمّن واقعاً آخر يتمثّل بأنّ شريحة كبيرة من اللبنانيين لا تحتاج إلى إنفاق تحويلات مغتربيها لتمويل احتياجات النزوح، فالكثير من المناطق لا تزال خارج سياق الاستهداف المباشر. لكن مع ذلك، القلق موجود بصورة ما، فتداعيات الحرب تضغط على الاقتصاد العام، ما يدفع البعض إلى فرملة الإنفاق وتوجيه ما يمكن إنفاقه نحو الحاجات الأساسية وترقّب أي مستجدّات اقتصادية. وبغياب الحركة الاقتصادية السليمة، ومن ضمنها حركة القطاع السياحي وتقليص حركة التجارة “يتّجه الاقتصاد نحو الانكماش مدفوعاً بانخفاض الاستهلاك والتراجع الكبير للاستثمار”، وفق ما يؤكّده الباحث الاقتصادي وخبير المخاطر المصرفية محمد فحيلي لـ”المدن”.
وفي هذه الحالة، يصبح الحديث عن التحويلات أوسع من دائرة تحويلات المغتربين المعدّة للاستهلاك في الحرب، وإنما يطال كافة أشكال التحويلات، الأمر الذي يأتي بالمصارف إلى ميدان البحث، وتالياً مصرف لبنان بوصفه السلطة الرقابية على المصارف وضابط إيقاع الليرة والدولار.
وفي هذا السياق، فإنّ التحويلات الخارجية التي تأتي عبر المصارف وشركات التحويل، تحتاج إلى ضامن لاستمرار عملها. وبغياب الضمانات بفعل الحرب، فإنّه من غير المستبعد، بحسب فحيلي “إغلاق المصارف أو توقف التحويلات أو تعطل الصرافات الآلية. وبذلك، يتوقّف النشاط الاقتصادي بسرعة. لهذا تصبح مهمة مصرف لبنان الأساسية ضمان استمرار عمل شبكات التحويل، أي شركات التحويل، بطاقات الدفع، عمليات السحب، وتسوية المدفوعات بين المصارف. أيضاً، من الضروري أن يلعب مصرف لبنان دوره في الحفاظ على العلاقة مع المصارف المراسلة من خلال ضمان الالتزام الصارم بقواعد الامتثال الدولية”.
ما تقدّمه التحويلات من انفراج للعائلات النازحة في ظل الحرب، قد لا يدوم لوقت طويل وسط الحروب الممتدة في أكثر من بقعة في العالم، والتي تضغط على أسواق الطاقة بشكل رئيسي، وبدورها ترفع الأسعار ومعدّلات التضخّم في الأسواق العالمية، وتنعكس على أوروبا وأميركا، فضلاً عن انعكاس الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية، على دول الخليج، والتي يتأثّر بها المغتربون اللبنانيون هناك.
وهذا الضغط بصورته العالمية، يعني حكماً بأنّ قدرة المغتربين على التحويل ستتراجع بفعل حاجتهم المتزايدة لتغطية نفقاتهم الاستهلاكية في الدول التي يعملون فيها، إذ أنّهم يقبعون تحت وطأة زيادة الأسعار. وبحسب فحيلي “زادت فاتورة الاستهلاك في أميركا بنحو 30 بالمئة”. كما أنّ استمرار تعطّل الحركة في مضيق هرمز يزيد الضغط على الاقتصاد العالمي، ومنه يتفرّع الضغط نحو قدرة المغتربين على إرسال التحويلات إلى ذويهم. مع الإشارة إلى أنّ تأثيرات الصراعات الدولية لا تنتهي بسرعة. ولذلك، يقول فحيلي إنّ “إزالة الضغط التضخّمي لا يحصل سريعاً بعد انتهاء الحروب، فالخوف يبقى موجوداً وينعكس لدى الأفراد من أصحاب فائض السيولة، على شكل اتجاه نحو شراء الذهب أو الادخار، وبالتالي توجّه نحو عدم الإنتاج”. ولذلك، فإنّ تصاعد الحروب قد يعرقل قدرة المغتربين على مدّ ذويهم بتحويلات تساعدهم على تحمّل وطأة الأزمات في الحرب وفي الأوقات التي تليها.
خضر حسان- المدن
The post وسط الحرب: هل يستمرّ المغتربون في تحويل الأموال لعائلاتهم؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.


