ألغام مضيق هرمز: ترامب لا يملك حلولاً جيّدة

نشرت صحيفة “فرين أفيرز” مقالاً بعنوان “ألغام مضيق هرمز”، من إعداد كايتلين تالمادج، الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، والمتخصصة في الدراسات الأمنية والاستراتيجية والعسكرية. المقال تناول إشكاليّة الألغام البحريّة التي يمكن أن يزعها الحرس الثوري في منطقة مضيق هرمز، وفقدان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحلول العسكريّة والأمنيّة للتعامل مع هذا الاحتمال.
في هذا المقال، تعود “المدن” إلى المعطيات الأمنيّة والإستراتيجيّة التي قدّمتها تالمادج، لتحليل أثر هذا الواقع على أسواق النفط حول أنحاء العالم، وتبيان محدوديّة خيارات إدارة ترامب، أمام الضغوط التي سيتعرّض لها الاقتصاد الأميركي.
أزمة إمدادات النفط
في يوم عادي، يمر 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. لكن خلال الأسبوع الماضي، تراجعت حركة ناقلات النفط عبر المضيق بشكل حاد، استجابةً لتهديدات إيرانية باستهداف أي سفن تحاول العبور، ما أدى إلى ارتفاع سعر النفط وإثارة القلق الاقتصادي العالمي. وتجدر الإشارة إلى أنّ مصرف جي. بي. مرغان كان قد نشر تقريراً قدّر فيه تخفيضات إمدادات النفط الخام، جرّاء الواقع الذي تتحدّث عنه تالمادج في مقالها، بنحو 12 مليون برميل يوميًا، أي ما يقترب من نحو 12 بالمئة من الإمدادات العالميّة.
بدا مسؤولو إدارة ترامب متفاجئين بالفوضى في أسواق النفط العالمية. إذ بحسب شبكة CNN، أشار هؤلاء في إحاطات سرية إلى أنهم لم يستعدوا لاحتمال أن تحاول إيران إغلاق المضيق، رداً على الضربات. وبعدما طرح ترامب في البداية فكرة أن ترافق البحرية الأمريكية ناقلات النفط عبر المضيق، عاد وتراجع مشيرًا إلى أن الناقلات يجب أن تدخل المضيق بمفردها، لأن “معظم البحرية الإيرانية ترقد في قاع المحيط”.
ومع ذلك، وحتى بعد غرق جزء كبير من بحرية إيران، يبدو أن الخطر القادم من بحرية الحرس الثوري سيستمر على الأرجح. فقد خطط الحرس الثوري منذ زمن طويل لتهديد حركة الملاحة في المضيق، من خلال مزيج من الألغام والصواريخ والطائرات المسيّرة والغواصات الصغيرة جداً المسمّاة “ميدجت”، والمركبات البحريّة غير المأهولة، والزوارق السريعة المسلحة. كل واحدة من هذه الوسائل، بمفردها، قادرة على ردع معظم شركات الشحن، ومنعها من دخول الخليج. وإذا جرى ربط هذه الوسائل معاً بطرق متكاملة، فإنها قد تخلق وضعاً خطيراً للغاية في المضيق.
ويصبح هذا التطوّر أكثر خطورة، إذا تمكنت إيران من زرع حقول ألغام بحريّة كبيرة. فإزالة الألغام عمليّة بطيئة وصعبة دائماً. وهذه العمليّة ستكون شديدة الخطورة، إذا تمّت خلال حربٍ شاملة، مع مواجهة تهديدات من صواريخ كروز مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة، وأصول بحريّة أخرى. ولهذا السبب، أي حملة إيرانية ضد حركة ناقلات النفط في الخليج، عبر تلغيم المضيق، ستضع الولايات المتحدة أمام خيارات صعبة وقد تؤدي إلى مزيد من التصعيد.
قدرات الحرس الثوري
قضى الحرس الثوري الإيراني عقوداً في تطوير قدرات عسكرية تستهدف حركة الملاحة في المضيق. ولم يتم استعمال هذه القدرات ولا كشفها بالكامل قبل الحرب، لأن إغلاق المضيق سيعيق أيضاً قدرة إيران على تصدير النفط، وسيؤدي إلى رد فعل اقتصادي عالمي. لكن إيران طورت هذه القدرات كأداة ضغط ضد دول أقوى تقليدياً، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، في حال وقوع أزمة خطيرة أو حرب. وهذا بالضبط ما يحدث الآن.
قبل الحرب، أشارت بعض التقديرات إلى أن إيران جمعت ترسانة تقارب 5000 لغم بحري. بعض هذه الألغام قد تكون بدائيّة، من نوع الألغام التي استخدمتها إيران في حروب ناقلات النفط في أواخر الثمانينيات، عندما استهدفت إيران والعراق سفن بعضهما البعض. لكن بعضها الآخر قد يكون أكثر تطوراً، ومن النوع الذي يصعب تعقّبه أو العثور عليه. هذا النوع من الألغام، قد ينفجر استجابةً لتأثيرات صوتية أو مغناطيسية، ولديها جهاز توقيت وعدّاد للسفن، بما يسمح بالتحكم في توقيت انفجارها. وقبل الحرب، كان لدى إيران أيضاً وسائل متعددة لنشر الألغام، بما في ذلك الغواصات الصغيرة ومئات السفن الصغيرة الأخرى، المتمركزة على طول ساحلها الجنوبي.
دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، أشار إلى أن قوّاته “تواصل حتى اليوم مطاردة وضرب سفن زرع الألغام ومخازن الألغام”. لكن من الممكن أيضاً أن تكون إيران قد وزعت هذه الأصول العسكريّة، قبل الحرب، بحيث ينجو بعضها من الحملة الأمريكية. وعلى وجه الخصوص، قد تكون إيران قد وزعت الألغام بالفعل، على سفن صغيرة وغواصات صغيرة في مواقع عديدة مختلفة على طول الساحل. مع الإشارة إلى أنّ إيران كانت قد أمضت سنوات في بناء شبكة كبيرة من الأنفاق والكهوف، القادرة على إخفاء هذه القوارب والغواصات الصغيرة، وحمايتها حتى اللحظة التي تدخل فيها الماء.
على الرغم من المراقبة الأمريكية المستمرة، من الممكن أن تصل بعض هذه القوارب والغواصات الإيرانيّة إلى المضيق، نظراً لسرعتها وصغر حجمها وكثرتها. وحتى لو زرع كل قارب لغمين إلى أربعة ألغام فقط، ستكون إيران قادرة على زرع مئات الألغام بهدوء خلال أيام أو أسابيع.
تاريخياً، حتى الأعداد الصغيرة نسبياً من الألغام كان لها تأثير كبير. ففي عام 1972، أوقفت الولايات المتحدة حركة الملاحة من وإلى ميناء هايفونغ في فيتنام الشمالية، عندما زرع خصومها 36 لغماً فقط. وفي عام 1991، تمكن العراقيون من ردع غزو برمائي أمريكي عبر زرع 1000 لغم فقط قبالة الساحل الكويتي. وفي عام 1950 أخّر الكوريون الشماليون إنزالاً أمريكياً في وونسان بزرع 3000 لغم فقط، على مساحة تبلغ خمسين ميلاً مربعاً.
تشير هذه الوقائع إلى أنّ حملة إيرانية متواضعة نسبياً لزرع الألغام قد تمنع ناقلات النفط من دخول المضيق، كما يبدو أن تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قد فعلت ذلك بالفعل خلال الأسبوع الماضي. ومن غير المرجح أن تغرق الألغام ناقلات النفط فعلياً. لكنّها ستكون كفيلة بتهديد أطقم السفن، ما سيلعب دوراً كبيراً في منع حركة الملاحة عبر المضيق.
خيارات ترامب ضيقة
ادعى ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك “أعظم قدرة في العالم على كنس الألغام البحريّة”. لكن البحرية الأمريكية لم تعطِ أولوية لإزالة الألغام في منطقة الخليج العربي. ففي الخريف الماضي، سحبت الولايات المتحدة آخر سفينة مخصصة لمكافحة الألغام من الخليج. ولم يتبقَّ سوى أربع سفن من هذا النوع في الأسطول الأمريكي، وهي متمركزة في اليابان.
تاريخياً، كانت إزالة الألغام بطيئة، ومن شبه المستحيل القيام بها تحت النيران. فقد استغرق الأمر واحداً وخمسين يوماً لتتمكّن الولايات المتحدة وحلفائها من إزالة 907 ألغام قبالة الساحل الكويتي، في عام 1991. وكان ذلك بعد انتهاء حرب الخليج، ومع توفر خرائط حقول الألغام التي قدمها العراقيون المهزومون.
وإذا قامت إيران بتلغيم المضيق، واستمرت الحرب الأوسع، ستحتاج الولايات المتحدة إلى إرسال سفناً حربية باهظة الثمن، ومروحيات قريبة من الساحل الإيراني، لإزالة الألغام. لقد أضعفت الولايات المتحدة وإسرائيل القدرات الإيرانية، لكن من الممكن جداً أن تظل إيران قادرة على تهديد منصات إزالة الألغام الأمريكية، بصواريخ كروز المضادة للسفن والطائرات المسيّرة وهجمات الزوارق الصغيرة. بل إن جلب وسائط القتال الأميركيّة المكلفة ضمن مدى الهجوم الإيراني، قد يكون أحد أهداف إيران الرئيسية.
العمل في الخليج لأيام أو أسابيع أثناء محاولة تنفيذ عمليات إزالة الألغام، سيمنح إيران فرصاً لإصابة أهداف أميركيّة بنجاح. وهذا سيصب في مصلحة إيران: فإيران تعتقد أن الوقت يعمل لصالحها في هذه الحرب، وأن جر الولايات المتحدة إلى حملة طويلة سيمنحها قوّة تفاوضيّة أكبر.
بدل محاولة الدفاع عن المضيق وسط حرب مفتوحة، قد تحاول الولايات المتحدة الرد على التصعيد الإيراني بتصعيد خاص بها. فقد تقرر الولايات المتحدة مثلاً السيطرة على الساحل الإيراني عبر إدخال قوات من مشاة البحرية أو القوات الخاصة. لكن إدخال قوات برية سيزيد خطر الخسائر والتورط في حربٍ طويلة. أو قد تحاول الولايات المتحدة تصعيد حملة القصف لإجبار النظام على إنهاء الحرب. لكن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تكونان قد استنفدتا الأهداف القادرة على إحداث مثل هذا الضغط. وربما لهذا السبب، بات النظام الإيراني أكثر استعداداً لإغلاق المضيق من أي وقت مضى.
باختصار، إذا نجحت إيران في تلغيم المضيق بفعالية، فإن جميع خيارات الرد الأمريكية ستكون صعبة وضيّقة. لذلك ينبغي للولايات المتحدة أن تركز بقوة على منع إيران من زرع الألغام منذ البداية. بل ومن الأفضل أن تجد واشنطن مخرجًا من الحرب الأوسع.
أمّا البديل عن ذلك، أي المضي في دائرة التصعيد، فسيترك آثارًا يستحيل تجاوزها بالنسبة للاقتصاد الأميركي. إذ بسبب الأضرار التي لحقت حتّى الآن بسلاسل توريد النفط، ونتائج هذه الأضرار على مستوى سعر البرميل، رفع مصرف غولدمان ساكس الأميركي احتمالات دخول الاقتصاد الأميركي في حالة ركود خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وتعزّزت هذه الاحتمالات بفعل ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنسبة 20 بالمئة، ما سينعكس بشكل حتمي على معدلات التضخّم، التي جهد الاحتياطي الفيدرالي للتعامل معها خلال الفترة الماضية. ولهذا السبب، سيكون أمام ترامب وقت قصير قبل أن يبدأ اقتصاد بلاده بتمّلس التداعيات الأكثر قساوة لإقفال مضيق هرمز.
The post ألغام مضيق هرمز: ترامب لا يملك حلولاً جيّدة appeared first on Lebanon Economy.
