إلغاء اتفاقية الترسيم: إسرائيل تهدّد لبنان وتراهن على الفوضى

فشل لبنان في الاستفادة من ترسيم حدوده البحرية مع العدوّ الإسرائيلي في العام 2022، إذ لم ينجح في استخراج الغاز من البلوك الحدودي رقم 9، أو حتى تأكيد وجود كميات تجارية. ويأتي ذلك بعد النتائج المخيّبة للآمال في البلوك رقم 4 في العام 2020. علماً أنّ الترسيم جاء تحت وطأة التخلّي عن مساحات واسعة من المياه اللبنانية، مع ما يمكن أن تتضمّنه من ثروات نفطية أو غازية، إثر موافقة لبنان على أن تكون الحدود البحرية عند الخط 23 بدل الخط 29 الذي يعطي لبنان كامل حقل قانا والجزء الأكبر من حقل كاريش. ومع ذلك، أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين أنّ حكومة بلاده تدرس إلغاء اتفاقية الترسيم، معتبراً أنّها “لم تكن اتفاقية حقيقية، بل كانت وثيقة استسلام”. فماذا يعني إلغاء الاتفاقية، وما مصير التنقيب في لبنان حينها؟.
تثبيت الحدود وإنهاء الخلاف
حسمَ اتفاق الترسيم في تشرين الأول 2022 الجدل حول الحدود البحرية التي شهدت خلافات بين لبنان وإسرائيل التي سحبت حدودها شمالاً نحو لبنان باتجاه النقطة التي اصطلح على تسميتها بالرقم 1، فيما دافع لبنان عن النقطة 29 كحدود له، لتخلص المفاوضات إلى اعتماد النقطة 23. وبذلك انتهى الخلاف الحدودي البحري وبات لبنان قادراً على تلزيم التنقيب، تحديداً في البلوك 9 الذي يضم حقل قانا المتنازع عليه. وبحصول لبنان على كامل الحقل، كانت إسرائيل توقّع مع شركة توتال الفرنسية التي تقود تحالف شركات للتنقيب في المياه اللبنانية، اتفاقاً ثنائياً ينصّ في بعض بنوده على أن “تشارك (شركة) توتال جميع المعلومات المتعلقة بالخزان (قانا)، مع إسرائيل”. بالإضافة إلى أنّه “لن يكون هناك تطوير للخزان قبل التوقيع على اتفاقية مفصّلة وتحويل العائدات (المالية) إلى إسرائيل”. أي أنّ إسرائيل ضمنت من توتال المعلومات التقنية حول مخزون الغاز في حقل قانا، فضلاً عن بدل مالي لقاء التخلّي عن الحقل للبنان. (راجع المدن)
بقي الترسيم محصوراً في الجانب التقني، ولم يتحوّل إلى اتفاق اعتراف أو سلام بين لبنان وإسرائيل. ومع ذلك، ضمن الاتفاق هدوءاً على الحدود الجنوبية سمح للبنان بتوقيع اتفاقية مع توتال والوصول إلى مرحلة الحفر في البلوك 9. وانعكس ذلك ارتياحاً لدى معظم القوى السياسية اللبنانية، إذ وقّعت الحكومة مرسوم الترسيم واعتبرته القوى السياسية خطوة مهمة بالنسبة للبنان، خصوصاً حزب الله الذي يرفع لواء الدفاع عن حدود لبنان، فاعتبر الأمين العام الأسبق للحزب حسن نصرالله، أنّ الترسيم “هو إنجاز كبير وتاريخي وانتصار كبير وكبير جداً للبنان الدولة والشعب والمقاومة”. ووافق الحزب على الخط الذي يصل إلى النقطة 23 بالرغم من عدم انطلاقه براً من رأس الناقورة، ما يجعل الحدود المتفق عليها غير صحيحة. لكن نصرالله رأى أنّه “بناءً على المرسوم الصادر عن مجلس الوزراء يمكننا أن نعتبر أنّه أصبح هناك قرار رسمي لبناني يقول حدودنا البحرية هي هذه، التي هي عملياً ما هو معروف بخط 23”. علماً أنّ الحزب لديه وزراء في الحكومة التي كانت برئاسة حليفه نجيب ميقاتي، وجرى التوقيع تحت مظّلة حليفه رئيس الجمهورية حينها ميشال عون.
إلغاء الترسيم
يطالب كوهين بإلغاء اتفاقية الترسيم، ويرى بأنّ لبنان حصل “على كامل المنطقة المتنازع عليها مقابل تعهد “غامض” بتحسين أمن إسرائيل، وهو تعهد لم يتم الالتزام به على الإطلاق”. وبعيداً ممّا يراه كوهين، فإنّ إلغاء الاتفاقية يعني العودة إلى الخلاف الحدودي الذي يتيح للبنان المطالبة بحقل كاريش أو الجزء الأكبر منه على أقل تقدير. كما أنّه يعزّز حق لبنان بترسيم فعلي ينطلق من رأس الناقورة براً، ما يدعم حدوده البرية ويثبّت حقّه في مساحات أوسع في البحر، لا تقل عن 1430 كلم مربّع.
ومع ذلك، فإنّ الإلغاء يعني توقّف التنقيب وخسارة لبنان القدرة على تلزيم البلوكات البحرية الجنوبية الثلاثة التي تحمل الأرقام 8،9،10، وفتح المجال أمام طرح إسرائيلي جديد للحدود، قد يقف عند النقطة 1 أو يتعداها شمالاً ليقضم مزيداً من المياه اللبنانية قبل العودة إلى التفاوض. وبالتالي، يصبح لبنان معرّضاً لخسارة ثروة نفطية مهمّة وخسارة ثقة المستثمرين بفعل العودة إلى التوتّر الأمني وغياب الاستقرار.
ولا تخلو انعكاسات إلغاء الاتفاقية من المخاطر الأمنية التي قد تتصاعد بين إسرائيل ولبنان، كتلك التي شهدت إرسال حزب الله 3 مسيّرات باتجاه حقل كاريش، قبيل التوصّل إلى توقيع الاتفاقية قبل نحو 4 سنوات. ففي تموز 2022 أعلن الحزب أنّ مسيّراته قامت بـ”مهام استطلاعية وأنجزت المهمة المطلوبة وكذلك وصلت الرسالة”، بعد أن كانت إسرائيل قد استقدمت سفينة تابعة لشركة “إنرجيان”، بهدف استخراج الغاز من حقل كاريش قبل الاتفاق على ترسيم الحدود مع لبنان.
في الوقت نفسه، إنَّ إلغاء الاتفاقية يؤثّر على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، إذ سهَّلَ الترسيم بين لبنان وإسرائيل الوصول الاتفاق على النقطة الحدودية الجنوبية. ومن شأن إلغاء الاتفاقية، جعل النقطة الحدودية الجنوبية محطّ خلاف، وتالياً عدم تثبيت نقطة حدودية ثلاثية مع قبرص (لبنان – اسرائيل – قبرص). وذلك يفتح احتمال تعديل الحدود بين لبنان وقبرص، والعودة إلى الخلافات، رغم عدم التأثير المباشر على اتفاقية الترسيم بين لبنان وقبرص، لكنه يجعلها محط نقاش.
مطلب سياسي
ما يريده الوزير الإسرائيلي قد لا يعدو كونه مطلباً سياسياً للضغط على لبنان في ظل الحرب الراهنة، وخصوصاً للضغط على الحكومة اللبنانية لتتحرّك ضد حزب الله في الداخل. أمّا اتخاذ خطوات إجرائية لإلغاء الاتفاقية، فليس بالأمر السهل، لأسباب كثيرة، منها أنّ الترسيم حصل يومها بمباركة من الولايات المتحدة الأميركية، وأودعت الاتفاقية لدى الأمم المتحدة، وباتت النقطة المتفق عليها حدوداً رسمية. ولذلك، فإنّ إلغاءها يحتاج |إلى تبريرات قوية وإلى توافق الطرفين، وإلاّ يكون الانسحاب من الاتفاقية من طرف واحد، ولا يكتسب حينها قوة قانونية دولية.
في الوقت عينه، يعيد الانسحاب من الاتفاقية الاحتقان إلى منطقة شرقي المتوسّط، وهو ما تريد أميركا عكسه تماماً، إذ تسعى إلى الاستقرار لتسهيل الاستثمار في التنقيب عن الغاز، خصوصاً أنّ شركة “شيفرون” باتت موجودة في المنطقة باستثناء لبنان، بانتظار هدوء الصراعات الحالية. وإلغاء الاتفاقية يعني بالنسبة لأميركا العودة إلى حالة التكهّن وعدم الاستقرار الذي يهدّد الاستثمارات. وإلى جانب المصلحة الأميركية، هناك مصلحة مباشرة لفرنسا وإيطاليا وقطر، من خلال وجود تحالف توتال – إيني – قطر للطاقة، بقيادة توتال حالياً في المياه اللبنانية. وعمل التحالف في لبنان في ظل اتفاقية الترسيم مع إسرائيل والترسيم مع قبرص، يحمل بشكل أو بآخر رسالة تطمين إلى أنّ الغاز في المتوسّط بات بعيداً من التوتّرات، وإعادته إلى نقطة الصفر قد لا يكون مقبولاً على المستوى الأوروبي أيضاً.
حتى اللحظة، الترسيم الحدودي البحري لا يزال قائماً. كما أنّ الحرب الحالية هي أيضاً ساحة صراع سياسي يرتفع فيها سقف الخطابات السياسية للضغط نحو تحصيل مكاسب عسكرية وسياسية، ويندرج ضمنها الحديث عن إلغاء الاتفاقية، إلاّ إن رغبت إسرائيل بإعادة المنطقة إلى حالة الفوضى الحدودية والمغامرة بتهديد الاستثمارات في حقول الغاز لديها.
The post إلغاء اتفاقية الترسيم: إسرائيل تهدّد لبنان وتراهن على الفوضى appeared first on Lebanon Economy.


