اقتصاد

الممرات الثلاثة الحاكمة: هرمز وباب المندب والسويس.. ومصير التجارة العالمية!


في الجغرافيا العالمية نقاطٌ ضيقة، لكنها تمسك بخيوط الاقتصاد والسياسة معاً. ليست مجرد ممرات مائية، إنما هي شرايين تمر عبرها الطاقة والغذاء والمواد الخام التي تقوم عليها حياة مليارات البشر.

ثلاثة ممرات تحديداً تتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، وأي اضطراب فيها لا تقتصر تداعياته موضعياً، إنما يتحول فوراً إلى أزمة عالمية.

مضيق هرمز: محبس الطاقة العالمي
يمر عبر مضيق هرمز جزء هائل من التجارة العالمية للمواد الاستراتيجية: يعبره نحو 34.7% من النفط الخام المتداول بحراً في العالم، إضافة إلى 25.8% من السوائل الغازية الطبيعية، و20.2% من الغاز الطبيعي المسال. كما يمر عبره 33% من الأسمدة الزراعية، و27.6% من المعادن، فضلاً عن كميات كبيرة من المواد الكيماوية والمنتجات النفطية.

إلا أن أزمة أقفال مضيق هرمز ليست – في جوهرها – أزمة نفط فقط، إنما هي اختبار مباشر لقدرة النظام الدولي على حماية قواعد الملاحة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. إن اضطراب الملاحة في هذا الممر الضيق قد يوقف مصانع في شتوتغارت، ويرفع أسعار الطاقة في طوكيو، ويزيد التضخم في اقتصادات بعيدة آلاف الكيلومترات عن الخليج العربي.

المشكلة الأخطر تكمن في أن التردد في الرد الحاسم على تهديدات إيران للسفن والناقلات التي تعبر المضيق لا يبدو صبراً استراتيجي بمقدار ما يبدو تآكلاً تدريجياً في قوة الردع.

يكفي أن يعجز العالم عن ضمان سلامة الملاحة هناك، كي تحقق إيران جزءاً من أهدافها. وهنا تظهر رسالة خطيرة: ابتزاز النظام الدولي ممكن.

باب المندب: عنق التجارة بين آسيا وأوروبا
إن كان التهديد في هرمز يضغط على مصادر الطاقة، فالتهديد في باب المندب يضغط على الزمن والسلع.
هذا المضيق تعبره 14% من تجارة الحبوب العالمية، وقرابة 12% من النفط الخام، إضافة إلى 10–12% من الأسمدة و8% من الغاز الطبيعي المسال، فضلاً عن الفحم والحديد والمواد الخام الأخرى.

إغلاق هذا الممر أو اضطرابه يعني ببساطة أن السفن المتجهة إلى أوروبا لن تعبر قناة السويس، بل ستضطر للالتفاف حول أفريقيا. والنتيجة طبعاً أسابيع إضافية في الرحلة، وتأخير طويل في وصول الغذاء والدواء والمكونات الصناعية إلى مقاصدها، وارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين.

إن كان العالم يواجه في هرمز دولةً نظامية يمكن ردعها أو التفاوض معها، فإنه في باب المندب يواجه جماعة مسلحة غير تقليدية. حتى الآن، لم يغلق الحوثيون المضيق بالكامل، لكنه يبقى مختبراً حقيقياً لهيبة القانون الدولي، ولقدرته على حماية أحد أهم طرق التجارة في العالم.

قناة السويس: ساعة الاقتصاد العالمي
إن كان مضيق هرمز محبس الطاقة، فقناة السويس هي ساعة الاقتصاد العالمي، إذ تعبرها 30% من تجارة وقود الطائرات، و30% من تجارة الحاويات العالمية، إضافة إلى 19% من القمح، و16% من الفحم، ونسب مهمة من الأسمدة والذرة والغاز والنفط.

إلا أن أهمية القناة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في دورها داخل منظومة الاقتصاد الحديث القائمة على مبدأ “التوريد في الوقت المحدد”. وأي تعطّل في الملاحة بقناة السويس لا يعني ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، إذ قد يؤدي إلى رفوف فارغة في متاجر باريس، وتأخير خطوط الإنتاج في مصانع بديترويت، واضطراب حياة المستهلك العادي في أرجاء العالم.

الأخطر أن أي تردد في حماية الممرات المؤدية إلى القناة قد يُفهم بوصفه إقراراً ضمنياً بأن عصر السيادة البحرية الآمنة يقترب من نهايته.

خلاصة
هذه الممرات الثلاثة ليست مجرد خطوط على الخريطة، إنما اختبارات دائمة لقدرة النظام الدولي على حماية التجارة العالمية. فحين تصبح الملاحة في هرمز أو باب المندب أو قناة السويس عرضة للتهديد، لا يكون الخطر اقتصادياً فقط، بل استراتيجياً أيضاً.

ففي عالم مترابط إلى هذا الحد، قد يكون أخطر سلاح ليس الصواريخ ولا السفن الحربية، بل الفراغ الاستراتيجي. وأحياناً، يكون أخطر قرار في السياسة الدولية هو غياب القرار نفسه.

النهار

The post الممرات الثلاثة الحاكمة: هرمز وباب المندب والسويس.. ومصير التجارة العالمية! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى