اقتصاد

أرزاق تحت القصف: كيف تحوّلت الأرصفة إلى أسواق للنازحين


لم تقتصر تداعيات الحرب في لبنان على الخسائر البشرية والدمار العمراني، بل امتدت لتضرب عمق الدورة الاقتصادية اليومية، خصوصاً لدى أصحاب الأعمال الصغيرة. ومع موجات النزوح الداخلي، نشأت أنماط جديدة من “الاقتصاد الهش”، حيث يحاول الأفراد ابتكار مصادر دخل بديلة في ظروف قاسية، تعكس قدرة على التكيّف بقدر ما تكشف عن حجم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

متجر متنقّل

في الواجهة البحرية لبيروت، حيث تتكدّس الخيام والسيارات التي تحوّلت إلى ملاجئ، تظهر أشكال غير تقليدية من النشاط الاقتصادي. يقول أحد تجار السكاكر، في العقد الخامس من عمره، وهو نازح من حارة حريك في الضاحية الجنوبية: “كنت أمتلك متجراً للسكاكر في الشارع العريض، لكن مع بدء العدوان لم يكن أمامنا سوى التوجّه إلى أقرب نقطة آمنة”. ويضيف أنه، بسبب أوضاعه المادية، لم يتمكن من استئجار منزل، فاضطر إلى المبيت في سيارته، التي حوّل مقاعدها الخلفية إلى متجر متنقّل.

هذا التحوّل القسري من متجر ثابت إلى “بسطة” متنقلة يعكس نموذجاً مصغّراً عن الاقتصاد غير المنظم الذي يتوسع في أوقات الأزمات. يبيع الرجل بضاعته “بسعر الكلفة” لتفادي خسارتها تحت القصف، وفي أحيان كثيرة يقدّم السكاكر مجاناً للأطفال غير القادرين على الدفع. ويشرح: “أي مبلغ أجنيه أفضل من خسارة البضاعة بالكامل… في النهاية نحتاج إلى مصروف للأكل والشرب”. ورغم بعض المساعدات الغذائية التي يتلقاها النازحون، إلا أنها، بحسب قوله، غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية. أما خسائره، فيصفها بأنها “مؤكدة”، خصوصاً مع احتمال مطالبته بدفع بدل إيجار متجره السابق، معلقاً آماله على موسم العيد لتحريك المبيعات.

الخدمة عند الطلب

وعلى مقربة من الخيم، يتنقّل علي مطر (18 عاماً) بين النازحين على دراجته النارية، حاملاً حقيبة صغيرة تضم أدوات الحلاقة. نزح من برج البراجنة، حيث كان يعمل في صالون حلاقة ويساهم في إعالة أسرته. ومع تفاقم الأعباء المعيشية بعد الحرب، لم يجد بدّاً من متابعة عمله على نحوٍ متنقّل. يقول: “لا يمكنني أن أقف مكتوفاً، جئت بعدّة الحلاقة وأتنقّل بين الناس”. يقدّم خدماته بأسعار مرنة تتناسب مع أوضاع الزبائن: “أحياناً أتقاضى 200 ألف ليرة، وأحياناً أعمل مجاناً”. ويضيف أنه يتمكن يومياً من جمع نحو 20 دولاراً، يقتطع منها كلفة البنزين، فيما يسلّم الباقي لعائلته.

هذا النوع من العمل يعكس اقتصاد “الخدمة عند الطلب” في ظروف قسرية، حيث تتراجع المعايير التقليدية للتسعير، لتحلّ مكانها اعتبارات إنسانية ومعيشية آنية.

في مشهد آخر، يفترش حسن برّو الرصيف المقابل لحرج بيروت، عارضاً صناديق من الخضار والفاكهة بألوانها الزاهية. كان يمتلك متجراً في حي السلم، لكنه اضطر إلى استبداله بـِ “بسطة” ملاصقة للخيمة التي يبيت فيها. يوضح أنه يتوجه يومياً إلى سوق الخضار (الحسبة) لتأمين البضائع، مشيراً إلى ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع الإمدادات، خصوصاً من الجنوب، بالتوازي مع زيادة الطلب في شهر رمضان.

ورغم محاولته الاستمرار، يواجه برّو تضييقاً من شرطة البلدية التي تطالبه بإزالة بسطته باعتبارها “مخالفة”. يعلّق بسخرية مريرة: “مخالفة في بلد كل شيء فيه مخالف”، في إشارة إلى التناقض بين القوانين والواقع القائم.

بدائل اقتصادية مؤقتة

أما حسن إسماعيل، الذي كان يدير مقهى للأراكيل في منطقة الليلكي، فوجد طريقة أخرى للتأقلم. حوّل إحدى الخيم إلى مساحة تشبه المقهى، وضع فيها “منقل” أراكيل وبعض الكراسي البلاستيكية، لتصبح نقطة تجمع لشبان نازحين. يقول: “اللبناني لا يوقفه شيء”، في تعبير يلخّص روح التكيّف التي يعتمدها كثيرون ممن فقدوا مصادر رزقهم.

تعكس هذه النماذج تحوّل الفضاءات العامة إلى بدائل اقتصادية مؤقتة، حيث تختلط أنشطة البيع والخدمات بالحياة اليومية للنازحين. لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة هذا “الاقتصاد البديل”، الذي يفتقر إلى أيّة حماية قانونية أو استقرار مالي، ويعتمد على نحوٍ كبير على الطلب المحدود والمساعدات المتقطعة.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه المبادرات الفردية بمعزل عن السياق الأوسع لانهيار البنية الاقتصادية. فهي ليست مؤشراً إلى التعافي بقدر ما هي استجابة اضطرارية للبقاء. وبينما يبتكر النازحون وسائلهم الخاصة لتأمين الحد الأدنى من الدخل، يبقى السؤال الأساسي معلّقاً: إلى متى يمكن لهذا الاقتصاد المؤقت أن يصمد، في ظل غياب أيَّة سياسات دعم أو خطط إنقاذ حقيقية؟

فاطمة البسام – المدن

The post أرزاق تحت القصف: كيف تحوّلت الأرصفة إلى أسواق للنازحين appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى