حرب إيران: هل تنهي صدمة الاقتصاد أم تفجّرها؟

في خريف 2024، كتبتُ أن الخطر لم يكن في الحدث العسكري بحدّ ذاته، بل في احتمال تحوّله إلى صدمة سلبية في العرض تربك المصارف المركزية قبل أن تربك الأنطمة والحكومات؛ واليوم تبدو هذه الفرضية أوسع من النفط، وأكثر تعقيداً من أن تُقرأ بسعر البرميل وحده. المشكلة اليوم لم تعد في الحرب على إيران بحدّ ذاتها، ولا في الأثر المباشر الذي أحدثته في أسعار النفط، بل في أنها وضعت دفعة واحدة الطاقة والمال والتكنولوجيا والفائدة في دائرة عدم الاستقرار. هذه هي الزاوية التي تغيّرت منذ 2024. يومها كان ممكناً قراءة التصعيد كخطر على النفط والتضخم والسياسة النقدية. أما اليوم، فالمشهد أوسع بكثير، النفط لم يعد وحده في قلب القصة، والغاز لم يعد مجرد بديل، والرقائق لم تعد قطاعاً بعيداً عن الجغرافيا السياسية، فيما الأسواق باتت تسعّر الحرب ليس كحادث أمني عابر، بل كاختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة سلبية في العرض تمتد من الممرات البحرية إلى مراكز البيانات وعوائد السندات. وهذا ما يفسّر الأزمة كخطر اقتصادي شامل يطال المنطقة والعالم معاً.
رهينة المضيق
في النفط، الزاوية الأهم أن السوق لا يسعّر الواقع فقط، بل يسعّر احتمال تعطّله. فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي قرابة خُمس الاستهلاك العالمي. ولهذا لا تحتاج السوق إلى إغلاق كامل وطويل حتى ترتفع، بل يكفي أن تقتنع بأن الشريان الأساسي للطاقة أصبح مهدداً. وهذا ما يفسّر القفزة الأولى في الأسعار مع الحرب، ثم ما إن ظهرت مؤشرات إلى إمكان استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية للدول السبع، وإلى أن الإغلاق الكامل والمستدام للمضيق قد لا يكون قابلًا للاستمرار، حتّى تراجعت الأسعار بسرعة. كذلك، كان التراجع الحاد بالأمس، عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب تأجيل الضربات على البنية الإيرانية لخمسـة أيام، وتحدث عن “محادثات بنّاءة” مع طهران. ففي جلسة 23 آذار هبط برنت 10.9 في المئة إلى 99.94 دولاراً، لكن هذا الهبوط لم يكن إعلان نهاية الأزمة، بل أن البرميل بقي رهينة السياسة وعوامل أخرى أكثر، من كونه رهينة العرض الفعلي.
في الأثر المالي المباشر على المنتجين أنفسهم، تظهر خسارة منتجي الخليج ما يقارب 28 مليار دولار من عائدات الطاقة منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران حتى اليوم، نتيجة توقف الصادرات عبر مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، بقي ما لا يقل عن 10 مليارات دولار من شحنات النفط والغاز والمنتجات المكررة عالقة داخل المضيق بعد تحميلها، من دون أن تتمكن من بلوغ وجهاتها. وهنا تظهر المفارقة التي كثيرًا ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن ارتفاع السعر العالمي لا يعني تلقائيًا ارتفاع الإيرادات، إذا كانت السلعة نفسها عاجزة عن الوصول إلى السوق. فالمعادلة ليست سعرًا أعلى يساوي دخلًا أعلى، بل سعرًا أعلى مع تدفقات معطلة يساوي دخلًا مؤجلًا أو مفقودًا. وهنا نرى أرباح الشركات الاميركية أمام خسارة دول الخليج والعراق نتيجة الحرب على ايران.
رهينة الغاز
أما في الغاز، الزاوية الأهم أن الأزمة الحالية خطيرة، لكنها ليست نسخة مطابقة لأزمة 2022. ففي ذلك الوقت خسرت أوروبا كميات ضخمة من الغاز الروسي وارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، أما اليوم فالسوق تبدأ من موقع مختلف مع دخول طاقات تسييل جديدة، خصوصاً من الولايات المتحدة، ومع تحسن البنية التحتية الأوروبية في الاستيراد والربط الداخلي. غير أن الضرر الذي أصاب المنشآت القطرية يمتد بشكل مباشر إلى آسيا التي تعتمد على الغاز القطري بدرجة أكبر، ما يجعل الأزمة أوسع جغرافياً وأكثر تعقيداً، حتى وإن بقيت أوروبا أكثر حساسية من حيث حركة الأسعار، لكن أقل تعرضاً فعلياً من آسيا. الامر الذي يثبت أن المشكلة ليست ظرفية بالكامل، لأن جزءاً من الطاقة التصديرية قد يبقى متأثراً لفترة قد لا تكون قصيرة الأجل، ما قد يغيّر تسعير الغاز الصناعي ويضغط على الصناعات المعتمدة عليه في أوروبا وآسيا.
بالمقارنة، هذا الفارق مهم لأنه لا يلغي المخاطر بل يعيد توزيعها. فالنفط يتحرك بسرعة تحت ضغط االعديد من العوامل والتوقعات. أما الغاز فتظهر كلفته ببطء أكبر عبر البنية التحتية والعقود والصناعة. وهذا يعني أن أثره قد يكون أقل صخباً لكنه أكثر رسوخاً. وهنا لا يعود السؤال فقط عن سعر الغاز االحالي، بل عن كلفة الإنتاج الصناعية وقدرة بعض الاقتصادات على تحمّلها، ما قد يغيّر الخريطة التنافسية بين أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.
أزمة التسعير
وفي محور رأس المال، الزاوية الأهم أن الحرب لم تطَل السلع فقط، بل طالت وظيفة التسعير نفسها. فعندما تتحرك أسعار الخام بهذه الحدة، يصبح من الصعب على الشركات والمصارف والمستثمرين تحديد القيمة العادلة للأصول المرتبطة بالطاقة. فالمشكلة لم تعد في توافر التمويل أو في وجود رغبة لدى المشترين، بل في اتساع الفجوة بين ما يراه البائع سعراً عادلاً وما يستطيع المشتري أن يبني عليه قراراً استثمارياً. وبالتالي، عندما تتعطل قدرة السوق على التسعير، يتجمد الاستثمار قبل أن يتجمد الإنتاج.
لكن الأهم أن أثر الحرب على رأس المال لا يقف عند حدود النفط والغاز. فالمعطى الأخطر الذي كشفته هذه المرحلة هو أن سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي نفسها مكشوفة على الخليج بصورة مباشرة. فصناعة الرقائق المتقدمة لا تقوم على الهندسة والبرمجيات فقط، بل على طاقة مستقرة ومواد أولية تمر بدرجات متفاوتة عبر الشرق الأوسط. وهذا يعني أن الحرب لم تعد تضغط فقط على البرميل، بل بدأت تضغط على الرقاقة أيضاً. ما يفسّر لماذا لم يعد الحديث عن الشرق الأوسط محصوراً في أثره على الوقود، بل امتد إلى دوره في البنية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي العالمي.
وهنا تتعمق المفارقة أكثر، فالشركات الآسيوية التي تقود إنتاج أشباه الموصلات والذاكرة المتقدمة تعتمد على واردات نفط وغاز ومواد أولية من المنطقة، ومنها الهيليوم والكبريت ومواد كيميائية أساسية لعمليات التبريد والتنظيف والمعالجة. وهذا يعني أن أي تعطّل طويل في مضيق هرمز لا يهدد فقط إمدادات الطاقة، بل يهدد أيضاً المواد التي تقوم عليها عملية تصنيع الرقائق نفسها، وهذا ما قد يغيّر كلفة التصنيع العالمي للرقائق، ويعيد تسعير شركات التكنولوجيا التي بُنيت تقييماتها على فرضية استمرار التدفق السلس للطاقة والمواد والرقائق. وهذا ما يدفع الصناديق السيادية الخليجية إلى تحويل جزء من الاستثمارات المخطط لها في الذكاء الاصطناعي نحو الأمن المحلي، ما قد يغيّر تدفق الأموال إلى القطاع في لحظة كان يُفترض أنها لحظة توسع لا انكماش. فإستهداف منشآت مرتبطة بالحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية في منطقة الخليج، ينعكس على صورة الخليج كمركز ناشئ للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ويشير إلى أن الصراع بدأ يأخذ بعدًا جديدًا يتجاوز النفط والغاز ليصل إلى قلب الاقتصاد الرقمي.
وهنا، لا تعود الحرب مسألة طاقة فقط، بل تتحول إلى اختبار مباشر لاستقلالية المصارف المركزية نفسها. فقبل اتساع النزاع، كان توجه الأسواق يميل إلى توقّع مسار أكثر ليونة في أسعار الفائدة، ولا سيما في الولايات المتحدة. لكن عودة صدمة الطاقة أعادت طرح السؤال: هل يمكن للمصرف المركزي الفيدرالي أن يخفف الفائدة في لحظة ترتفع فيها كلفة النفط والغاز وتتزعزع فيها توقعات التضخم؟ مع الاشارة، الى حساسية الصراع المفتوح بين دونالد ترامب وجيروم باول، بعدما كرر ترامب دعواته إلى خفض الفائدة حتى مستويات متدنية جداً، وهدد بإقالة باول، فيما تعرّض الأخير لتحقيقات ومذكرات استدعاء قضائية. وليس تفصيلاً أن يعود باول نفسه، في 21 آذار 2026، إلى التذكير بأن استقلالية المصرف المركزي هي ما يسمح له بأن يفعل “ما هو صحيح” لا ما هو مرغوب سياسياً. وهذا يعني أن الفائدة باتت اليوم جزءاً من الحرب بقدر ما هي جزء من السياسة النقدية.
ترقّب مركزي
في الولايات المتحدة، الزاوية الأهم أن التوجه الرسمي حتى الآن ليس رفع الفائدة، بل تثبيتها مع لهجة أكثر حذراً وتشددًا. فالاحتياطي الفدرالي أبقى في 18 آذار 2026 النطاق المستهدف للفائدة بين 3.50 و3.75 في المئة، وأكد أن تداعيات تطورات الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي ما زالت غير مؤكدة، وأنه سيقيّم البيانات وتطورات التضخم والمخاطر قبل أي خطوة لاحقة. لكن جيروم باول أوضح أيضاً أن تجاوز تضخم الطاقة ليس أمراً تلقائياً هذه المرة.
أما في بريطانيا، فالصورة الرسمية أكثر ميلاً إلى التريث منها إلى التشدد الصريح. في حين أبقى بنك إنكلترا الفائدة عند 3.75 في المئة بإجماع كامل، مع اعتراف واضح بأن حرب الشرق الأوسط رفعت أسعار الطاقة والسلع وستدفع التضخم إلى الارتفاع في الأجل القريب، فيما اعتبر حاكم المصرف المركزي أندرو بيلي أن التثبيت هو الموقف المناسب حالياً لأن القرار النهائي يتوقف على مدة استمرار الصدمة وعلى ما إذا كانت ستنتقل إلى الأجور والأسعار داخلياً. وهذا يعني أن التوجه البريطاني الرسمي اليوم ليس نحو الرفع المسبق، بل نحو تثبيت حذر يراقب ما إذا كانت صدمة الطاقة ستتحول إلى تضخم دائم أو إلى تباطؤ اقتصادي أعمق.
بالمقابل، بدأت المصارف العالمية الكبرى بالاستعداد لتوقع ارتفاع في أسعار الفائدة خلال عام 2026.
من هنا، المشكلة لم تعد في النفط وحده، ولا في الغاز وحده، ولا حتى في الحرب وحدها. المشكلة أن الحرب على إيران ربطت من جديد الطاقة بالصناعة، والصناعة بالرقائق، والرقائق بالذكاء الاصطناعي، ثم أعادت هذه السلسلة كلها إلى الأسواق والفائدة. وهذا يعني أن الحرب التي لا أفق لها يجب أن تتوقف وبأقرب وقت، وإذا كنا قد أشرنا في عام 2024 الى الصدمة السلبية في العرض، فإن تطورات الحرب على ايران في 2026 تقول إن هذه الصدمة لم تعد نفطية فقط، بل أصبحت اختباراً لمنطق الاقتصاد العالمي كله، وتعيد رسم العلاقة بين الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي لسنوات.
مهدي الحسيني – المدن
The post حرب إيران: هل تنهي صدمة الاقتصاد أم تفجّرها؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

