اقتصاد

بعكس المتوقّع: لماذا هبطت أسعار الذهب خلال حرب الخليج؟


حين بدأ التصعيد في منطقة الخليج العربي، كان من المتوقّع أن تشهد أسعار الذهب قفزات متتالية، نظرًا لمكانة المعدن الأصفر المميّزة كملاذٍ آمن خلال فترات التوتّر الجيوسياسي. مع الإشارة إلى أنّ أسعار الذهب شهدت ارتفاعات من هذا النوع، عند حصول هذا النوع من الخضّات والنزاعات، طوال السنوات الماضية.

غير أنّ السوق فاجأت الجميع، فجاءت النتائج مخالفة للتوقعات. فلغاية مساء يوم أمسٍ الخميس، كان سعر الذهب قد هبط إلى حدود 4,402 دولاراً أميركياً للأونصة، مقارنة بنحو 5,348 دولاراً للأونصة عند بدء التصعيد، ما شكّل انخفاضًا بنسبة تقارب 18 بالمئة. ولبنان لم يكن بمعزل عن تداعيات هذا التطوّر، إذ شهدت ميزانيّة المصرف المركزي انخفاضًا بقيمة 797 مليون دولار أميركي، في بند احتياطات الذهب، جرّاء تراجع القيمة الفعليّة لهذه الاحتياطات.

في هذا المقال، تعدّد “المدن” أبرز الأسباب التي دفعت أسعار الذهب للانخفاض، خلال الحرب الإقليميّة الراهنة، بخلاف التوقّعات.

النفط والتضخّم والفوائد

مع بدء التصعيد، شهدت أسعار النفط ارتفاعات سريعة ومتتالية، ليبلغ سعر البرميل -خام برنت- حدود 108.01 دولاراً أميركياً بحلول مساء يوم أمسٍ الخميس، ما شكّل ارتفاعًا بنسبة 50 بالمئة، مقارنة بسعر البرميل قبيل الحرب. وجاءت هذه الارتفاعات كنتيجة طبيعيّة لإقفال مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره أكثر من خُمس إمدادات النفط الخام العالميّة، فضلاً عن الاستهدافات التي طالت مرافق إنتاج وتكرير وتصدير النفط الخام في منطقة الخليج. وبهذا الشكل، مثّلت الحرب صدمة غير مسبوقة على مستوى أسواق وأسعار مصادر الطاقة.

في الأسواق العالميّة، لم تُقرأ هذه الأحداث كتطوّر سلبي على مستوى أسعار الطاقة فقط، بل قُرأت كتطوّر تضخّمي بامتياز. فكلفة شراء النفط لا تدخل في تسعير البنزيل والديزل فقط، بل تدخل كذلك في تسعير النقل والشحن وإنتاج الكهرباء وسلاسل الإمداد الصناعيّة. وبهذا المعنى، ترقّب المستثمرون حقبة مؤلمة من ارتفاع معدلات التضخّم العالميّة، ما سيؤثّر حتمًا على السياسات النقديّة في جميع دول العالميّة.

لهذا السبب، وانطلاقًا من ترقّبهم لمعدّلات التضخّم المرتفعة، توقّع المستثمرون اتجاه المصارف المركزيّة حول أنحاء العالميّة إلى سياسات نقديّة أكثر تشددًا، ما سيعني تأخير قرارات خفض الفوائد، أو حتّى الاتجاه نحو رفع الفوائد من جديد. ومن المعلوم أنّ المصارف المركزيّة عادةً ما تتجه لرفع الفائدة، لضبط حركة النقد في الأسواق، كأداة من أدوات ضبط التضخّم والحفاظ على قيمة النقد. وعادةً ما تلجأ المصارف المركزي إلى خفض معدلات الفائدة، بعد التمكّن من خفض مستوى التضخّم، لتحفيز النشاط الاقتصادي من جديد.

وهنا بالضبط، انقلبت المعادلة ضد أسعار الذهب. فالمعدن الأصفر أصل غير مدرّ للفائدة. ولذلك، وبمجرّد ارتفاع احتمالات تثبيت الفوائد المرتفعة، أو حتى رفع الفائدة مجددًا، تقل جاذبيّة الذهب، مقارنة بالسندات أو الأدوات النقديّة التي تعطي عوائد مباشرة. وهذا ما دفع أسعار الذهب للانخفاض، بموازاة ارتفاع أسعار النفط، وتصاعد مخاوف التضخّم، واستبعاد الأسواق لاحتمال خفض الفوائد هذا العام.

حركة السيولة في الأسواق

مع بدايات التصعيد، سجلت سندات الخزانة الأميركيّة انخفاضًا في قيمتها السوقيّة، بنسب تتراوح بين 2.5 و3.5 بالمئة. وهذا العامل، وسّع الهامش -أو الفارق- ما بين كلفة شراء السند الحاليّة بحسب سعر السوق (وهي الأدنى)، والقيمة التي سيتم تسديدها للمستثمر عند استحقاق السند في المستقبل (وهي الأعلى، وتكون دائمًا ثابتة). بهذا الشكل، ارتفعت العوائد المتوقّعة في سوق السندات، إلى مستوى قارب 4.5 بالمئة. ومن المعلوم أنّ العائد على السندات يرتفع مع انخفاض القيمة السوقيّة للسندات، وبعلاقة عكسيّة وحتميّة، للسبب الذي ذكرناه: إذ كلما انخفضت القيمة الحاليّة للسندات، ارتفع العائد المتوقّع من شراء السند بالسعر المنخفض، بانتظار تحصيل قيمته الإسميّة والثابتة عن الاستحقاق.

بهذا الشكل، زادت مجددًا جاذبيّة سوق السندات، مقارنة بأسواق الذهب، ما تسبب بانتقال سيولة المستثمرين من محافظ الذهب إلى محافظ السندات. وهذا ما أسهم بالضغط على أسعار الذهب نزولًا، ما دفع المستثمرين -مجددًا- للتضحية باستثماراتهم في أسواق الذهب، بحثًا عن أصول بديلة أقل عرضة للخسائر في هذه المرحلة.

في الوقت نفسه، شهدت البورصات العالميّة موجات حادّة من التذبذب، في بدايات التصعيد، ما راكم خسائر معتبرة في محافظ المستثمرين. وفي مثل هذه الحالات، بالنسبة للصناديق الاستثماريّة الممولة بالاقتراض، يطلب الوسطاء من المستثمرين تغطية قيمة خسائرهم بشكلٍ فوري، ما يفرض على المستثمرين بيع محافظهم من الذهب لتغطية الخسائر. وبهذا الشكل، تحوّل الذهب من ملاذ آمن يلجأ إليه المستثمر عند حصول الاضطرابات، إلى “صندوق سيولة” يُستعمل خلال فترة الأزمة. وبطبيعة الحال، أدّت موجات بيع الذهب إلى المزيد من الضغط والتراجع في أسعار المعدن الأصفر.

إلى جانب كل هذه الأسباب، ساهمت عوامل أخرى في خفض أسعار الذهب. فالسوق كانت تترقّب الحرب قبل حصولها بأسابيع، ما وضع أونصة الذهب عند مستويات مرتفعة جدًا قبل حصول التصعيد. ولهذا السبب، ومع بدء الحرب، وجد المستثمرون أنفسهم أمام فرصة لجني الأرباح التي جرى تحقيقها بالفعل، بعدما تبيّن لهم أنّ عوامل أخرى ستدفع أسعار الذهب للانخفاض. أمّا المصارف المركزيّة، فخفّضت مستوى طلبها على المعدن الأصفر، مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية، بفعل اشتداد الضغوط النقديّة والماليّة الناتجة عن التصعيد نفسه.

The post بعكس المتوقّع: لماذا هبطت أسعار الذهب خلال حرب الخليج؟ appeared first on Lebanon Economy.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى