لبنان على حافة العتمة: الحرب على إيران تُفاقم أزمة الطاقة

طوال الأسابيع الماضية، أدّى تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى فرض مخاطر جيوسياسية جسيمة ألقتْ بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، إذ لا تكمن أهمية إيران في كونها منتجًا رئيسيًّا للنفط فحسب، بل في موقعها الجغرافي المتاخم لعدد من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، وإشرافها على أكثر ممرّات شحن النفط العالمية حيوية أيضًا. كما أن موقع إيران الاستراتيجي المحاذي لمضيق هرمز – الذي يتدفّق عبره نحو خُمس النفط المتداول عالميًا – يجعل النزاعَ القائمَ شديد الخطورة، ما يهدّد إمدادات الطاقة العالمية. ويتسبّب هذا النزاع العسكري في انقطاع ملحوظ في تلك الإمدادات التي لا تزال ضمن حدود السيطرة حتى الآن؛ غير أنّ من شأن استمرار هذا الانقطاع أن يؤدّي حتمًا إلى تقلّبات كبيرة في أسعار النفط في الأسواق العالمية.
من هنا، ستؤدي تقلّبات أسعار النفط إلى تداعيات بعيدة الأمد على الدول التي تعتمد اعتمادًا كثيفًا على استيراد منتجات النفط والغاز مثل لبنان، حيث تمسّ هذه المنتجات قطاع الطاقة في البلاد والاقتصاد بشكل مباشر؛ وهو القطاع الذي يُعدّ شديد الهشاشة في لبنان، لاعتماده شبه الكامل على ما يستورده من منتجات نفطية.
في ضوء الحرب الدائرة واحتمالات طول أمدها، تحلّل هذه الدراسة بنية قطاع الطاقة الهشّ في لبنان، وتقوّم الانعكاسات المحتملة لتقلّبات أسعار النفط في ظل سيناريوهات جيوسياسية متباينة. ونركّز في تحليلنا على قطاعيٍْن رئيسيّيْْن هما: إنتاج الكهرباء والنقل. وبالاستناد إلى الإحصاءات المتوافرة بشأن استهلاك الطاقة ومنهجية تحليل السيناريوهات، نستكشف في هذه الدراسة مسارات محتملة تتراوح بين استقرار أسعار النفط وارتفاعاتها الحادّة، ونبيّن كيف يمكن لصدمات ارتفاع أسعار النفط، بمستوياتها المعتدلة والحادّة، أن تؤثر في استهلاك الوقود وإمدادات الكهرباء في لبنان، بما قد يفضي إلى تضخّم محتمل وحالة من عدم الاستقرار في الاقتصاد اللبناني عمومًا.
من مضيق هرمز إلى العالم: تحوّلات ديناميّات الطاقة
يتدفّق نحو خُمس إمدادات النفط المتداولة عالميًا عبر الممرّ المائي لمضيق هرمز، في حين تبسط إيران سيطرتها على الأراضي المتاخمة لهذه النُقْطَة البَحْرِيَّة الحيويّة. لذا فمن شأن أي مواجهة عسكرية في المنطقة، تكون إيران طرفًا فيها، أن تؤدّي إلى قطع خطوط الملاحة، ورفع تكاليف التأمين على ناقلات النفط، وإثارة حالة من عدم اليقين في أسواق النفط العالمية. ففضلًا عن موقعها الاستراتيجي المطلّ على مضيق هرمز، تتبوّأ إيران مكانةً استراتيجيةً مهمّة في منظومة الطاقة العالمية؛ فهي تعتبر من أكبر منتجي النفط في الشرق الأوسط، وتستحوذ على احتياطيات مؤكّدة، هي من بين الأكبر عالميًا.
لقد أفضت التوتّرات الجيوسياسية المرتبطة بإيران تاريخيًا إلى تقلّبات كبيرة في أسعار النفط. فخلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، على سبيل المثال، تسبّبت الهجمات على ناقلات النفط في الخليج العربي في اضطرابات واسعة في إمدادات الطاقة. كذلك، أدّت التوتّرات المتّصلة بالبرنامج النووي الإيراني، بصفة دورية، إلى ارتفاعات في أسعار النفط. إلا أنّ الحرب الراهنة تدفع بمخاطر تذبذب الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، ما يُزعزع ديناميات الطاقة على الساحة الدولية.
علاوة على ذلك، قد تنجم تقلّبات أسعار النفط عن آليّات عدّة، يتجلّى بعضها في الواقع الراهن. فقد أسفرت الحرب الحالية عن اضطرابات في عملية إنتاج النفط الإيراني، وتسبّبت في تضرر البنى التحتية النفطية في منطقة الخليج العربي. ويفرض النزاع تهديدًا عسكريًا على مضيق هرمز، ويُفضي إلى مخاطر إغلاقه. وتشير التقارير إلى ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في الأسواق العالمية. فضلًا عن ذلك، حتى في حال كانت انقطاعات الإمداد الفعلية محدودة، فإن تصوّر المخاطر بحدّ ذاته قد يفضي إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط.
بناء على هذه العوامل، يتجاوز متوسّط سعر النفط حاليًا سقف الـ 100 دولار أميركي للبرميل بقليل. وبالعودة إلى مؤشّرات العقد الماضي، يتّضح أن متوسّط سعر النفط تراوح بين 49 دولارًا أميركيًا للبرميل كحد أدنى، و94 كحد أقصى، وفقًا لما يبيّنه الشكل (1) أدناه.

وتتّخذ دولٌ عدة جملة من التدابير القصيرة والمتوسّطة الأجل للحدّ من ارتفاع الأسعار، تشمل رفع مستويات الإمدادات في دول عدّة حول العالم، وخفض الأسعار المحلّية، وصولًا إلى الخطوة الأكثر تأثيرًا والمتمثّلة في سحب الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تشير التقارير إلى توافق الولايات المتحدة وعدد من الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على ضخ مئات الملايين من البراميل من الاحتياطيات الطارئة، بهدف تعزيز استقرار الأسواق العالمية.
وقد بدأت تداعيات ارتفاع أسعار النفط تظهر جليًّا في الأسواق العالمية واقتصادات الدول المنتجة، إلا أن وطأة هذه الآثار تبدو أشد حدّة على الدول غير المنتجة للنفط، ولبنان ليس بمنأى عن ذلك. ويفتح هذا المشهد العالمي المتقلّب البابَ أمام مسارات متباينة، ينطوي كل منها على انعكاسات مختلفة تمسّ الواقع في لبنان بأشكال شتّى.
بنية قطاع الطاقة في لبنان
إضافة إلى أن لبنان أصبح طرفًا مباشرًا في الحرب الدائرة، فإن قطاع الطاقة فيه يتّسم بالهشاشة ويشهد حالة من عدم الاستقرار أيضًا؛ إذ يستورد لبنان جميع احتياجاته من المنتجات النفطية تقريبًا، على الرغم ممّا تختزنه مياهه البحرية من إمكانات هائلة غير مستثمرة من النفط والغاز.
وتتوزّع واردات النفط أساسًا على قطاعات الكهرباء والنقل والصناعة، فضلًا عن أهميتها في قطاع التدفئة المنزلية. وما لا شك فيه أنّ التحوّلات الجيوسياسية العالمية الراهنة ستنعكس مباشرة على كلفة الطاقة المحلية في لبنان. ويبيّن الشكل (2) أدناه أوجه استخدام وقود الديزل (المازوت) في لبنان خلال عام 2018. وتكمن أهمية هذا الشكل في أنّه يوضّح أن استخدام وقود الديزل، على الرغم من أهميته المحورية في قطاعات النقل والصناعة والتدفئة، يُستخدم أيضًا، وبنسب متقاربة، في توليد الكهرباء، أكان عبر مؤسسة كهرباء لبنان أم من خلال مئات المولّدات الخاصّة المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد.

بناء على ما تقدّم، يُعدّ أمن الطاقة أحد أبرز مواطن الضعف في الاقتصاد اللبناني؛ إذ هيمنت المشتقات النفطية، ولا سيما وقود الديزل والبنزين والفيول أويل، على مصادر الطاقة المتنوعة المستخدمة في لبنان، وهي لا تزال تهيمن عليه. وتكتسب هذه المشتقّات أهمية بنيوية لا غنى عنها في توليد الكهرباء، وتشغيل المولّدات الخاصّة، وتسيير قطاعيْْ النقل، والصناعة، وتدفئة المباني السكنية.
هشاشة قطاع الكهرباء المركزي في لبنان
يتسم قطاع الكهرباء في لبنان بأوجه قصور بنيوية وعجز مزمن، ما يبرّر وصفه بالهشاشة. فطوال السنوات السابقة، واجهت إدارة مؤسسة كهرباء لبنان عجزًا ماليًا وقيودًا تشغيلية مستمرّة، وأخفقت في ضمان حد أدنى من التغذية الكهربائية المنتظمة.
يعتمد توليد أغلبية الطاقة الكهربائية في البلاد على استخدام الوقود النفطي، وفي مقدّمها الفيول أويل ووقود الديزل. ويمتلك لبنان عددًا من محطّات توليد الكهرباء الحرارية، أبرزها محطتا دير عمار (شمال لبنان) والزهراني (جنوب لبنان) بوصفهما المحطتين الرئيسيّتين، وكلتاهما تعمل بوقود الديزل المستورد. أما محطات توليد الطاقة القديمة الأخرى، مثل محطتي الزوق والجية، فتعمل بالفيول أويل. ويرتبط عمل هذه المحطات بشحنات الوقود المستوردة، ما يجعل قطاع الكهرباء شديد التأثر بتقلّبات أسعار النفط العالمية. في أعقاب أزمة عام 2019، شهدت معدّلات الإنتاج في مؤسسة كهرباء لبنان تراجعًا حادًّا وصلت إلى مستويات متدنِّية للغاية، حيث بلغ عدد ساعات التغذية الكهربائية في بعض الحالات ساعة إلى ساعتين يوميًا فقط. أما حاليًا، فيتراوح عدد ساعات التغذية الكهربائية التي توفّرها مؤسسة كهرباء لبنان، بين أربع ساعات وثمانٍ يوميًا.
في ظل عجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تأمين التغذية الكهربائية بطريقة مستدامة ومنتظمة، تضطر الوحدات السكنية والشركات إلى الاعتماد الكثيف على شبكات المولّدات الخاصة. وتشكّل هذه المولّدات، التي تُعرف غالبًا باسم “مولّدات الأحياء”، منظومة كهربائية موازية تشتغل أساسًا باستخدام وقود الديزل؛ وهي تشكّل بديلًا يسدّ الفجوة الناجمة عن قصور الشبكة الوطنية. وتؤمّن هذه المنظومة احتياجاتها من وقود الديزل عبر عدد محدود من الشركات اللبنانية الخاصة المتخصّصة في استيراد المشتقات النفطية.
في المقابل، يمتلك لبنان منظومة تشغيلية لمحطات الطاقة الكهرومائية. وقد أنشئت هذه المحطات، تاريخيًا، بقدرة تفوق 315 ميغاواط، غير أن إنتاجها من الكهرباء شهد تراجعًا مطّردًا نتيجة جملة من الأسباب، ليصل في أدنى مستوياته إلى نحو 30 ميغاواط فقط. وفي عام 2026، أعلنت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وهي أكبر جهة حكومية مشغّلة لمحطات الطاقة الكهرومائية في البلاد، أن مخزون بحيرة القرعون لم يتجاوز نحو 90 مليون متر مكعب من أصل سعتها الإجمالية البالغة 220 مليون متر مكعب، لافتة إلى أن معدّلات هطول الأمطار لهذا العام استقرّت عند مستويات أدنى بكثير من المتوسّط العام. وبناء على المخزون المتاح، تعهّدت المصلحة بتوليد نحو 40 ميغاواط من الطاقة الكهربائية.
وعلى الرغم من أن محطات الطاقة الكهرومائية لا تغطّي إلا نسبة محدودة من إجمالي الطلب على الطاقة في البلاد (والمقدَّر بما يتراوح بين 2000 ميغاواط و2400)، فإن أهمية هذه المحطات تكمن في قدرتها على تأمين التغذية الكهربائية للأحمال الحرجة (critical loads) في لبنان، في حال حدوث انهيار كامل في قدرات مؤسّسة كهرباء لبنان على الإمداد. وبالفعل، ووفقًا لتقارير المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، خلال 2019-2021، نجحت محطات الطاقة الكهرومائية في توفير تغذية كهربائية ثابتة وموثوقة لعدد من الأحمال الحرجة في البلاد، بما في ذلك مطار بيروت الدولي، ومحطات ضخ المياه الرئيسيّة التي تزوّد العاصمة، فضلًا عن مؤسسات حكومية حيوية أخرى.



ثمة عنصر لافت آخر في مصادر الطاقة المتنوعة المستخدمة في لبنان، يتمثّل في الطفرة الاستثنائية التي شهدها استخدام أنظمة الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء. صحيح أن البلاد شهدت نموًا تدريجيًا في وتيرة الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية منذ عام 2010، إلا أن الأزمة الاقتصادية الحادّة التي اندلعت في عام 2019، وما تلاها من انهيار في قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تلبية الاحتياجات الأساسية، أدّت إلى حالة من الانتشار المتسارع والواسع لهذه التقنية. فبين عامي 2010 و2020، ارتفعت القدرة المركّبة لأنظمة الطاقة الشمسية في لبنان من صفر ميغاواط إلى 98 ميغاواط؛ لتقفز هذه القدرة بنحو 980 ميغاواط بين عامي 2020 و2022. وقد تجاوزت القدرة التراكمية للطاقة الشمسية عتبة الـ 1,200 ميغاواط بحلول نهاية عام 2024. ويعتمد جزء كبير من هذه المشاريع المنفّذة على أسطح المباني أنظمة تخزين للطاقة بالبطاريات، ما يوفّر بديلًا احتياطيًا مثاليًا لمواجهة انقطاع التغذية الكهربائية المركزية.
وباتت الطاقة الشمسية في لبنان تغطّي حاليًا ما يتراوح بين 15 في المئة و20 من إجمالي إنتاج الكهرباء في لبنان، وفقًا لما يظهره الشكل (3) أدناه؛ ما يعزّز دور هذا القطاع بوصفه مصدرًا احتياطيًا موثوقًا يمكن التعويل عليه في أوقات الأزمات.

من الملاحظات المهمة الأخرى التي يشير إليها الشكل (3)، أن مؤسسة كهرباء لبنان تؤمّن نحو 28 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في لبنان، في حين تغطّي المولّدات الخاصّة في الأحياء ما يقارب الـ 51 في المئة، أي ما يعادل ضعف ما توفّره المؤسسة العامة.
لذلك، تنعكس تقلّبات أسعار النفط على قطاع الكهرباء في لبنان عبر قناتيْن رئيسيّتيْن: تتمثّل الأولى في كلفة الفيول أويل ووقود الديزل المستخدميْن في محطّات توليد الكهرباء التابعة للدولة اللبنانية، بينما تبرز الثانية في كلفة وقود الديزل الذي تستهلكه المولّدات الخاصّة. وممّا لا شك فيه، أن أي ارتفاع في الأسعار العالمية للنفط سيؤثر مباشرةً في زيادة تعرفة الكهرباء على المستهلكين النهائيين المعتمدين على المولّدات الخاصة، حيث تُحدّد وزارة الطاقة والمياه هذه التعرفة شهريًا.
بيد أن مكمن الخطر يتمثّل في مدى قدرة مؤسسة كهرباء لبنان واستعدادها لرفع تعرفة الكهرباء على المستهلكين النهائيين. وبالفعل، فمنذ شباط/فبراير 2024، حدّدت الحكومة اللبنانية متوسّط تعرفة يبلغ قدره 27 سنتًا أميركيًا لكل كيلوواط/ساعة يدفعه المستهلكون مقابل الكهرباء التي توفّرها مؤسسة كهرباء لبنان. وتمثّل هذه التعرفة نقطة التعادل المالي للمؤسسة، وقد جرى احتسابها على أساس سعر لبرميل النفط الخام قدره 68.11 دولارًا أميركيًا.
الأثر المتبادل لاستخدام المشتقات النفطية في قطاع النقل والقطاعات الأخرى
يعتمد قطاع النقل في لبنان بصورة شبه كاملة على البنزين. فخلافًا لدول طوّرت شبكات نقل عام واسعة النطاق أو أنظمة تنقّل كهربائية، يرتكز قطاع النقل في لبنان بدرجة كبيرة على المركبات الخاصّة. ويُستخدم البنزين في أغلبية السيارات وسيارات الأجرة ومركبات التوصيل العاملة في البلاد. أما المركبات الأكبر حجمًا (مثل الشاحنات والحافلات) فتستهلك وقود الديزل، وإن بكميات أقلّ بكثير. وبناء عليه، يُعدّ قطاع النقل أحد أكثر مكوّنات الاقتصاد اللبناني حساسية وانكشافًا أمام صدمات أسعار النفط العالمية.
ونظرًا إلى افتقار منظومة النقل في لبنان إلى التنوّع، فإن أي ارتفاع في أسعار النفط العالمية ينعكس بصورة شبه فورية على زيادة أسعار البنزين في محطّات الوقود. ويترتّب على ذلك جملة من التداعيات الاقتصادية، يتّسم بعضها بأثر فوري؛ إذ تشمل هذه التداعيات ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية نتيجة ارتفاع كلفة نقلها، ما يفضي في نهاية المطاف إلى تصاعد معدّلات التضخّم وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
ومن شأن ارتفاع أسعار النفط أن يلقي بظلاله أيضًا على قطاع التدفئة المنزلية في لبنان؛ إذ تعتمد شريحة واسعة من الأسر على وقود الديزل للتدفئة. وبناء عليه، فإن أي زيادة في أسعار النفط العالمية تنعكس مباشرةً على الكلفة التي يتكبّدها المستهلك النهائي. غير أن من حسن الحظ، أن الطلب على التدفئة يشهد تراجعًا في هذه الفترة من العام مع اقتراب فصل الربيع.
وفي حال ارتفاع أسعار النفط، سيواجه القطاع الصناعي تحدّيًا من نوع مختلف؛ إذ تعتمد منشآت صناعية عدة في لبنان على مصادر الوقود التقليدية لتوليد الكهرباء ولتشغيل العمليات الصناعية. وفي أغلبية الحالات، تمثّل تكاليف الطاقة ما يتراوح بين 15 في المئة و50 من إجمالي تكاليف الإنتاج في القطاع الصناعي في لبنان. وبناء عليه، من المتوقع أن تترتّب على ذلك تداعيات وخيمة تحدّ من قدرة المنشآت الصناعية على التصدير إلى الأسواق الخارجية.
السيناريوات المرجّحة والتداعيات المحتملة
مما لا شك فيه أن النزاع الإقليمي الواسع النطاق الدائر حاليًا، والذي تنخرط فيه إيران، يساهم في تفاقم ترهّل منظومة الطاقة في لبنان. لهذا، جرى استشراف ثلاثة سيناريوات محتملة لتقلّبات أسعار النفط، يطرح كل منها تحدّيات متباينة يواجهها قطاع الطاقة في لبنان:
– بقاء أسعار النفط عند مستويات مستقرّة نسبيًا
– ارتفاع أسعار النفط على نحو معتدل
– طفرة حادّة في أسعار النفط
السيناريو الأول: بقاء أسعار النفط عند مستويات مستقرّة نسبيًا
يفترض هذا السيناريو تصاعد التوتّرات الجيوسياسية من دون أن يؤدي ذلك إلى اضطراب جوهري في إمدادات النفط العالمية؛ إذ قد تشهد الأسواق ردات فعل مؤقتة، قبل أن تستقر الأسعار في نهاية المطاف. مع ذلك، وبالنظر إلى التحوّلات المتسارعة في مشهد الطاقة العالمي، يُعدّ هذا السيناريو الأقل احتمالًا في المرحلة الراهنة.
في ظل هذه الأوضاع، لن يشهد لبنان سوى تأثيرات مباشرة محدودة على منظومة الطاقة لديه. فاستقرار أسعار النفط يعني بقاء التكاليف التشغيلية لتوليد الكهرباء من دون تغيير يُذكر. غير أن قطاع الكهرباء في لبنان سيظلّ يواجه تحدّيات بنيوية بمعزل عن تقلّبات أسعار النفط، وفي مقدّمها الإعسار المالي (financial insolvency) والقصور البنيوي في البنية التحتية.
وبناء على معطيات هذا السيناريو، ستستمر واردات الوقود المخصّصة لمحطات توليد الطاقة عند مستويات تكلفة مماثلة، ما يتيح لمؤسسة كهرباء لبنان الحفاظ على مستويات الإنتاج الراهنة، والأهم من ذلك، الإبقاء على توازن مالي إيجابي. وسيشهد مشغّلو المولّدات الخاصّة استقرارًا نسبيًا في أسعار وقود الديزل، ما يحدّ من احتمال حدوث زيادات مفاجئة في رسوم اشتراكات المولّدات. مع ذلك، سيبقى لبنان خاضعًا لآليات توليد الطاقة المكلفة القائمة على المشتقّات النفطية، وسيبقى خطر التعرّض لصدمات مستقبلية في الأسعار، قائمًا.
من جهة أخرى، يساهم استقرار أسعار النفط في الحفاظ على مستويات أسعار البنزين الراهنة في لبنان. وعلى الرغم من أن تكاليف النقل ستبقى مرتفعة قياسًا للمعايير الدولية، إلا أن الأسر والقطاعات الإنتاجية ستتجنّب التعرّض لضغوط مالية إضافية، وستظلّ الضغوط التضخميّة المرتبطة بتكاليف الوقود ضمن مستويات محدودة.
السيناريو الثاني: ارتفاع أسعار النفط على نحو معتدل
يفترض السيناريو الثاني، وهو يجسّد الواقع الراهن، أن تؤدّي الحرب والنزاع الإقليمي المستمر إلى اضطراب في بعض إمدادات النفط أو إلى زيادة علاوات المخاطر الجيوسياسية (Geopolitical Risk Premiums)، ما يتسبّب في ارتفاع أسعار النفط العالمية على نحو معتدل. وتشير المعطيات الحالية، إلى أن متوسّط سعر برميل النفط بلغ نحو 100 دولار أميركي، بزيادة تقارب الـ 25 في المئة مقارنة بما كان عليه قبل اندلاع الأزمة.
لذا، سيكون لهذا الارتفاع تداعيات ملموسة على لبنان، وإن كانت لا تزال قابلة للاحتواء؛ إذ تؤدّي المستويات المرتفعة الراهنة لأسعار النفط إلى زيادة كلفة واردات الوقود اللازمة لتوليد الكهرباء. أما بالنسبة إلى مؤسسة كهرباء لبنان، التي تعاني أساسًا عجًزًا ماليًا، فإن ارتفاع كلفة الوقود سيفضي إلى تفاقم الضغوط المالية عليها، في ظل غياب أي توجّه رسمي لدى الحكومة لرفع تعرفة الكهرباء للمستهلكين النهائيين. وقد تبدي الحكومة استعدادًا لتقديم دعم للأسعار (Price Subsidies)، إلا أن هذا الخيار يبدو مستبعدًا أيضًا. بالتالي، يغدو السيناريو المرجّح، هو اضطرار مؤسسة كهرباء لبنان إلى توسيع عجزها المالي، ما يضع مزيدًا من الضغوط التشغيلية على كاهلها.
من جهة أخرى، يواجه مشغّلو المولّدات الخاصة حاليًا ارتفاعًا في أسعار وقود الديزل. ومن شبه المؤكد أن يُصار إلى تمرير هذه الزيادة في التكاليف إلى المستهلكين، عبر رفع رسوم الاشتراك بالمولّدات. لذلك، قد تواجه الأسر اللبنانية عبئًا مزدوجًا ناتجًا من ارتفاع في كلفة الطاقة المستمدّة من الشبكة الوطنية والمولّدات الخاصّة على حد سواء. وفي هذا الصدد، تشير نتائج استطلاع أولي أُجري مع عدد من أصحاب المولّدات الخاصة إلى أن فواتير الكهرباء قد تسجّل ارتفاعًا بنحو 140 في المئة مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
في موازاة ذلك، ارتفعت أسعار البنزين اتساقًا مع صعود الأسعار العالمية للنفط. ونظرًا إلى أن لبنان يستورد المنتجات النفطية المكرّرة، تميل الأسعار المحلية إلى مواكبة حركة الأسواق العالمية بصورة وثيقة. ويطاول الارتفاع الراهن في أسعار البنزين، المستهلكين عبر مساريْن؛ أحدهما مباشر يتمثّل في زيادة كلفة الانتقال والنقل، والآخر غير مباشر، يتجسّد في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات نتيجة زيادة كلفة الشحن والتوزيع. بالتالي، يساهم هذا الارتفاع في أسعار النفط في تغذية معدّلات التضخم في مجمل قطاعات الاقتصاد اللبناني.
السيناريو الثالث: ارتفاع حاد في أسعار النفط
يتمثّل السيناريو الأكثر خطورة، في حدوث تصعيد إضافي في الحرب الإقليمية يُفضي إلى تعطيل مسارات إمداد النفط الرئيسة، أو إلحاق أضرار جسيمة في البنى التحتية للإنتاج. ففي حال إغلاق مضيق هرمز أو توقّف صادرات النفط الإيرانية بالكامل، قد تشهد أسعار النفط العالمية قفزة حادّة، لتتجاوز 150 دولارًا أميركيًّا أو حتى 200 للبرميل. ومن شأن هذا السيناريو أن يخلّف تداعيات عميقة على لبنان.
ومن المرجّح أن تفرض هذه الطفرة الحادّة في أسعار النفط ضغوطًا كبيرة على منظومة الكهرباء في لبنان؛ إذ سترتفع كلفة واردات الوقود المخصّص لمحطات توليد الكهرباء ارتفاعًا ملحوظًا. ونظرًا إلى الوضع المالي المتداعي لمؤسسة كهرباء لبنان، قد تواجه الحكومة صعوبات في تأمين إمدادات كافية من الوقود. ويتوقّع أن تتقلّص قدرة المؤسسة على تزويد الكهرباء بصورة حادّة، لتقتصر التغذية الكهربائية، على الأرجح، على ساعة أو ساعتين فقط يوميًا. وفي الواقع، تداولت وسائل الإعلام أخيرًا تسريبات من مؤسسة كهرباء لبنان تشير إلى نية المؤسسة خفض إنتاجها إلى مستويات متدنية نتيجة الأسعار الحالية.
في المقابل، يرجّح أن يتزايد الاعتماد على المولّدات الخاصة بصورة لافتة، على الرغم من أن سعر الكيلوواط في الساعة، سيقفز من متوسّط 33 سنتًا أميركيًا إلى أكثر من 60. ومع الارتفاع الحاد في أسعار وقود الديزل، ستصبح كلفة الكهرباء التي تنتجها المولّدات الخاصة مرتفعة جدًّا.
يكمن الخطر في أن عددًا كبيرًا من الأسر سيصبح غير قادر على تحمّل كلفة الكهرباء، ما قد يدفع الكثير منها إلى تقليص استهلاكها من الكهرباء على نحو قد ينعكس سلبًا على الأوضاع المعيشية والصحية. وفي الحالات القصوى، قد تشهد مناطق عدّة في لبنان، انقطاعات مطوّلة في التغذية الكهربائية، إذا أصبحت واردات الوقود غير قابلة للاستدامة ماليًا.
في المقابل، قد يشكّل ارتفاع سعر النفط إلى مستويات تتراوح بين 150 دولارًا أميركيًّا إلى 200 للبرميل، فرصة ذهبية أخرى لسوق الطاقة الشمسية المزدهرة أصلًا في لبنان. ففي هذه الحالة، قد يشهد قطاع مصادر الطاقة المتنوّعة المستخدمة في لبنان “ثورة خضراء” ثانية، حيث من المتوقع أن يتم تركيب نظام إنتاج 100 ميغاواط إلى 200 من الطاقة الشمسية في أقلّ من عام.
وستؤدي الطفرة الحادّة في أسعار النفط إلى ارتفاع كبير في أسعار البنزين في لبنان؛ إذ إن النقل يضطلع بدور حيوي في النشاط الاقتصادي، وسينعكس هذا الارتفاع على أغلبية القطاعات الاقتصادية تقريبًا. لذلك، ستواجه الأسر زيادة في كلفة التنقّل، فيما ستتحمّل القطاعات الإنتاجية نفقات لوجستية أعلى، وقد تشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا ملحوظًا، بدأت مؤشراته بالظهور حاليًا.
وتشمل النتائج المباشرة لهذا التحوّل زيادة الطلب على وسائل النقل العام؛ غير أن البنية التحتية المحدودة لقطاع النقل في لبنان قد تواجه صعوبة في استيعاب هذا الانتقال المفاجئ. وقد يسفر ذلك عن مزيج من الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدّلات التضخّم وتراجع القدرة على التنقّل. في المقابل، ستبرز فرصة لتعزيز التنقّل الكهربائي من خلال الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية بوصفها بديلًا مباشرًا لاستهلاك البنزين في قطاع النقل.
ولن تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار النفط على قطاع الطاقة فحسب، بل ستمتد لتشمل قطاعات الاقتصاد الكلّي على نطاق أوسع؛ لا سيما أن الاقتصاد اللبناني يعاني أصلًا تقلّباتٍ في سعر الصرف ومعدّلاتِ تضخّم مرتفعة. وقد يؤدي تصاعد أسعار الوقود إلى مزيد من تأكّل القدرة الشرائية وزيادة كلفة المعيشة.
هنا، من الضروري الإشارة إلى أن القطاعات الإنتاجية التي تعتمد على النقل، كالزراعة وتجارة التجزئة والخدمات اللوجستية، ستواجه ارتفاعًا في التكاليف التشغيلية. فضلًا عن ذلك، قد يتفاقم العبء المالي على الحكومة إذا ما حاولت السلطات دعم واردات الطاقة سعيًا لحماية المستهلكين.
الخلاصة: مفاقمة الاختلال في منظومة مختلّة أساسًا!
تشكّل الحرب الحالية على إيران خطرًا جيوسياسيًا كبيرًا، تترتّب عليها تداعيات جوهرية محتملة على أسواق النفط العالمية؛ إذ تشهد دول عدّة في المنطقة آثارها المباشرة، لا سيما الدول المصدّرة للنفط في منطقة الخليج. أما بالنسبة إلى لبنان الذي يعتمد اعتمادًا شبه كلّي على استيراد المشتقات النفطية، فإن تقلّبات الأسعار قد تخلّف تداعيات سلبية عميقة.
وإذا استقرّت أسعار النفط عند نحو 75 دولارًا أميركيًا للبرميل، يُرجّح أن تواصل منظومة الطاقة في لبنان عملها ضمن قيودها البنيوية الراهنة. في حين أن من شأن الزيادات في الأسعار على نحو معتدل أن ترفع كلفة الكهرباء والنقل، ما قد يُساهم في ارتفاع محدود في معدّلات التضخّم وازدياد الضغوط الاقتصادية.
أما في حال حدوث طفرة حادّة في أسعار النفط، وهو ما تترقّبه الأسواق، فقد تواجه منظومة الطاقة المترهّلة أصلًا في لبنان، اضطرابات خطيرة. وستتراجع قدرة مؤسسة كهرباء لبنان الضعيفة أساسًا، على توفير تغذية كهربائية موثوقة. وتعاني المؤسسة بالفعل نقصًا في إمدادات الوقود، وضعفًا ماليًا، وتهالكًا في بناها التحتية. بناء عليه، قد ترتفع كلفة توليد الكهرباء على نحو كبير، ويصبح عدد كبير من المستهلكين غير قادر على تحمّل تعرفة المولّدات الخاصة، وقد تُثقل أسعار البنزين كاهل الأسر والمؤسسات. ومن شأن هذه التطوّرات أن تفاقم الضغوط المالية على مؤسسة كهرباء لبنان، ما يفضي إلى اتّساع العجز المالي بصورة حادّة.
في نهاية المطاف، تعكس هشاشة الوضع اللبناني إزاء صدمات أسعار النفط، اختلالات بنيوية عميقة في منظومة الطاقة لديه، وهي اختلالات قد تتحوّل إلى فرصة للتحوّل نحو الطاقة النظيفة. ويتطلّب الحد من هذه الهشاشة تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في الطاقة المتجدّدة، وإجراء إصلاحات تسعى إلى تعزيز مرونة قطاعي الكهرباء والنقل في البلاد. وقد بلغت فاتورة الطاقة الإجمالية في لبنان نحو 4.3 مليار دولار أميركي في عام 2025، ومن شأن أي ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط أن يرفع هذه الفاتورة إلى ما يتجاوز الـ 5 مليارات دولار أميركي خلال عام 2026.
وكما يبيّن الشكل (4) أدناه، أدّت الأزمة الاقتصادية التي اندلعت في عام 2019 إلى طفرة تاريخية في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية في البلاد. ومن المؤكد أن أي ارتفاع حاد في أسعار النفط مستقبلًا، سيفتح المجال أمام ثورة ثانية في مجال الطاقة الشمسية.

إن ما لا شك فيه أن أي توسع في الحرب الدائرة واستمرارها فترة طويلة، سوف يفاقم أزمة منظومة الطاقة في لبنان. ومن المرجّح أن تترك هذه التداعيات أثرها الأبرز في قطاعيْن حيويّيْن هما توليد الكهرباء وقطاع النقل. وفي الخلاصة، على الرغم من المخاطر الجسيمة التي تنطوي عليها صدمات أسعار النفط، فإنها قد تشكّل في الوقت نفسه حافزًا لإجراء إصلاحات بنيوية في قطاع الطاقة في لبنان؛ إذ غالبًا ما يؤدّي ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري إلى تسريع وتيرة تبنّي تقنيات الطاقة البديلة. ومن شأن الاستثمار في توليد الطاقة الشمسية أن يحدّ من الحاجة إلى استيراد الوقود ويُعزّز أمن الطاقة.
وقد تخلّف الحرب الراهنة آثارًا جيوسياسية بارزة وطويلة الأمد؛ وفي هذا السياق، يلقي اختلال أسعار النفط الناجم عن هذه الحرب بظلاله على طيف واسع من الدول ومن ضمنها لبنان. وعلى الرغم من السمعة التي يتمتّع بها لبنان من حيث القدرة على الصمود والتكيّف، فإن استمرار هذه التقلّبات قد يسفر عن تداعيات قاسية. وتبقى الآمال معقودة على وضع حدّ لهذه الحرب قريبًا، إذ لا يمكن الاقتصادات الوطنية أن تزدهر إلا في بيئة يسودها الاستقرار، وهي البيئة التي يحتاج إليها قطاع الطاقة في لبنان بشدّة.
The post لبنان على حافة العتمة: الحرب على إيران تُفاقم أزمة الطاقة appeared first on Lebanon Economy.



