مقالات

الحقيقة كما تُرى… لا كما تُقال

بقلم: الإعلامي خضر رسلان
في خضم ما يجري من عدوان إسرائيلي على لبنان، يبدو أن هناك من يتعامل مع المشهد بانتقائية واضحة، أو ربما بقدر من التجاهل المتعمّد للوقائع الأساسية التي أدّت إلى استمرار التوتر والمواجهة. فالرواية السائدة في كثير من وسائل الإعلام الدولية تتحدث عن “تصعيد” أو “اشتباكات” بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، لكنها نادرًا ما تضع الإصبع على الجرح الحقيقي: السبب الجوهري لكل ما يجري هو عدم التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل إلى الحدود الدولية وتطبيق القرار الدولي 1701.
هذا القرار، الذي صدر بعد حرب تموز 2006، لم يكن مجرد نص سياسي، بل كان إطارًا واضحًا لضبط الحدود ومنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة. غير أن ما حدث عمليًا هو أن إسرائيل لم تلتزم لا بروحه ولا بحرفيته. فهي لم تكتفِ بعدم الانسحاب الكامل وفق ما يقتضيه القرار، بل مضت في خطوات إضافية زادت من تعقيد المشهد، عبر احتلال نقاط جديدة على الحدود، والتي بات الحديث يدور حول خمس أو حتى سبع نقاط محتلة، فضلًا عن استمرار الخروقات الجوية والبرية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد. فالمشهد الميداني يكشف عن نمط يومي من الاغتيالات والاستهدافات داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى تدمير واسع للبنى التحتية والأهداف المدنية. وهذه الوقائع ليست مجرد أحداث متفرقة، بل تشكّل في مجموعها سياسة ضغط ممنهجة تسعى إلى فرض واقع أمني جديد على لبنان، وإلى كسر إرادة المجتمع المقاوم بهدف دفعه إلى خيارات لا تنسجم مع تاريخه واصالته
ومع ذلك، فإن الصورة التي تُعرض غالبًا للعالم لا تعكس هذا الواقع بالكامل. فبدل أن يُطرح السؤال الأساسي: لماذا لا تُطبَّق القرارات الدولية؟ ولماذا لا يتم الانسحاب إلى الحدود المعترف بها دوليًا؟ يتم الاكتفاء بوصف النتائج وتجاهل الأسباب.
لكن في مقابل هذا المشهد القاسي، تبرز صورة أخرى غاية في ألأهمية: صورة الناس الذين دفعوا ثمن هذه المواجهة. فقد اضطر كثيرون إلى ترك مدنهم و قراهم وبيوتهم والنزوح قسرًا إلى حيث شركائهم في الوطن .
وهنا يجب أن يُقال بوضوح: لا أحد يملك الحق في الشماتة بهؤلاء النازحين أو التعامل مع معاناتهم بخفة. على العكس، فإن ما يعيشونه اليوم هو ثمن الدفاع عن مبادئ وكرامة وطنية يرفض أصحابها الخضوع لمنطق الإذلال أو التطويع. إنهم يدفعون ثمن تمسكهم بأرضهم وحقهم في العيش بحرية وكرامة.
ولهذا، فإن النظرة الأخلاقية والإنسانية تجاههم يجب أن تقوم على الاحترام والتقدير، لا على التوظيف السياسي الضيق. فالصمود في وجه القصف والتهجير ليس خيارًا سهلًا، بل هو موقف وجودي يعبّر عن ارتباط عميق بالأرض والهوية.
أما على مستوى الدولة اللبنانية، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا. فالحكومة، التي يُفترض أن تكون الحامي الأول لشعبها، قررت بصريح العبارة أن تكون عاجزة عن القيام بدورها الطبيعي، مما أفقدها الثقة الشعبية بها،. إذ إن الدولة التي لا تستطيع حماية شعبها أو الدفاع عن حقوقه الأساسية ستواجه حتمًا سؤالًا بديهيًا عن ماهية دورها الحقيقي وعلة وجودها.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل يكفي دور الدولة في أوقات الأزمات الكبرى أن يقتصر على إصدار البيانات أو عقد الاجتماعات؟ أم أن المطلوب هو حضور فعلي للدولة، سياسيًا ودبلوماسيًا وإنسانيًا، بما يعيد بناء الثقة بينها وبين مواطنيها؟ فالدولة القوية ليست تلك التي ترفع الشعارات، بل تلك التي تقف إلى جانب شعبها عندما يواجه الأخطار.
وفي المقابل، يرى كثير من اللبنانيين أن ما يحدث على الأرض يقدم صورة مختلفة عمّا يُقال في البيانات والقرارات الرسمية؛ واقع يفرضه الميدان ويتشكل كل يوم، حيث يقف مجتمع المقاومة ورجاله بعنفوان وقوةً في مواجهة الاحتلال والدفاع عن السيادة و الأرض.
وفي هذا السياق، تتردد عبارة تختصر المشهد: نعم، الخبر كما نراه لا كما نسمعه. فالفارق بين الخطاب والواقع هو ما يصنع الانطباع العام لدى الناس.
ما يُرى على الأرض – بالنسبة لهؤلاء – هو مشهد إباء وشموخ وصمود في مواجهة قوة عسكرية كبيرة، بينما ما يُسمع في بعض الأحيان هو خطاب سياسي لا يعكس حقيقة ما يجري فعليًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر مطروحًا: هل يمكن أن يتحقق الاستقرار في لبنان من دون معالجة جذور المشكلة؟ الجواب يبدو واضحًا وجليا : لا استقرار حقيقي من دون انسحاب إسرائيلي كامل إلى الحدود الدولية وتطبيق فعلي للقرار 1701.
وحتى ذلك الحين، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة بين روايتين: مزاعم تُقال في البيانات والقرارات الرسمية لا تحاكي الواقع والتاريخ، وحقيقة يكتبها كل يوم حماة الأرض التي ارتوت بدماء أجدادهم وآبائهم، محافظين على وصية شهيد الأمة الأسمى: هذا الطريق سنكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى