اقتصاد

البنوك المركزية أمام اختبار جديد مع تداعيات حرب إيران


أدت الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط إلى تغيير جذري في التوقعات بالنسبة للبنوك المركزية العالمية، إذ أدت الصدمة الهائلة في الإمدادات إلى مفاضلة صعبة بين دعم النمو والاستقرار الاقتصادي من جهة، ومكافحة التضخم من جهة أخرى.

ويواجه صنّاع السياسات النقدية حول العالم اختبارًا جديدًا مع تصاعد التوترات المرتبطة بحرب إيران، في وقت كانت فيه العديد من الاقتصادات تأمل في الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا بعد سنوات من التقلبات بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية.

وبالنسبة للبنوك المركزية في الاقتصادات الآسيوية الناشئة، أصبح خفض الفائدة رهانا محفوفا بالمخاطر، ليس بسبب الضغط الإضافي على الأسعار الناجم عن ارتفاع تكاليف الوقود، ولكن بسبب خطر هروب الاستثمار بفعل تدهور شروط التجارة مع الولايات المتحدة.

وعلى سبيل المثال، ذكرت مصادر مطلعة لرويترز، لم تذكر هويته، أن بنك الاحتياطي الهندي يتوقع التركيز بشكل أكبر على دعم النمو من خلال الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة.

لكن اندفاعا نحو الدولار باعتباره ملاذا آمنا، يتزايد بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، قد يجبره على تكثيف تدخلاته لدعم عملته الضعيفة.

وقال تورو نيشيهاما كبير محللي الأسواق الناشئة بمعهد داي-إيتشي لبحوث الحياة في طوكيو، لرويترز إن “تايلاند والفلبين قد تضطران إلى عكس موقفهما النقدي الذي يتبنى التيسير، حتى مع تأثير ارتفاع تكاليف الوقود على اقتصاديهما.”

وأضاف نيشيهاما “ستواجه بنوك مركزية عديدة قرارا صعبا مع تعرضها لضغوط من الأسواق والحكومات على حد سواء.” وتابع “مع عدم وجود نهاية واضحة للصراع في الأفق، يتزايد خطر الركود التضخمي يوما بعد يوم”.

وانخفضت أسواق الأسهم وصعد الدولار في آسيا الاثنين مع تجاوز سعر النفط 110 دولارات للبرميل، مما أثار مخاوف من تداعيات حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط على إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع التضخم الذي قد يجبر البنوك المركزية على رفع الفائدة.

وتبدو المفاضلة حادة على الأخص بالنسبة للاقتصادات التي تعتمد على الصناعات التحويلية مثل كوريا الجنوبية واليابان، في ظل الاعتماد على التجارة العالمية والأسواق المستقرة وتكاليف المواد الخام الرخيصة وكلها عوامل يعصف بها تفاقم أزمة الشرق الأوسط.

وقال كيم جين-ووك المحلل في سيتي غروب إن البنك المركزي الكوري الجنوبي، الذي أبقى على أسعار الفائدة ثابتة في فبراير، قد “يتخذ موقفا يميل أكثر للتشديد إذا ظل التضخم أعلى بنقطة مئوية واحدة من هدفه.”

وأضاف “في الوقت الحالي، ما زلنا نستبعد أن يرفع بنك كوريا أسعار الفائدة استجابة لارتفاع أسعار النفط عن المتوقع،” حيث إن الإجراءات الحكومية لكبح أسعار الوقود تحد من تأثير ‌تحركات أسعار النفط على التضخم.

وتواجه البنوك المركزية في الأسواق المتقدمة، مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي)، أيضا مهمة صعبة تتمثل في تحقيق التوازن بين النمو والتضخم ‌والضغوط السياسية المتزايدة.

وتتفاقم هذه المعضلة بالنسبة لبنك اليابان المركزي. إذ يقول معهد نومورا للأبحاث إنه إذا بقيت أسعار النفط عند 110 دولارات لمدة عام، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض النمو 0.39 نقطة مئوية، وهو ما سيمثل ضربة قوية لاقتصاد يواجه نموا ضعيفا محتملا يتراوح ‌بين 0.5 وواحد في المئة.

ولكن على عكس الماضي، عندما كان بإمكانه التوقف عن رفع أسعار الفائدة، فإن المركزي الياباني لديه الآن مجال أقل للتغاضي عن ضغوط الأسعار مع تجاوز التضخم هدفه البالغ اثنين في المئة منذ ما يقرب من أربع سنوات.

ويقول محللون إن هذا يعني أن بنك اليابان المركزي لن يكون أمامه خيار سوى تكرار الحديث عن الاستمرار في رفع أسعار الفائدة، مع التزام الصمت بشأن توقيت هذه الخطوة التي قد تثير غضب الحكومة المعادية لارتفاع تكاليف الاقتراض.

ويجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام اختبار جديد مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق حيوية لإمدادات الطاقة، ما يثير مخاوف من تكرار التداعيات التي خلفتها الحرب الروسية – الأوكرانية على الأسواق العالمية.

وكما أدى الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة والغذاء وارتفاع معدلات التضخم، يخشى المستثمرون والتجار اليوم من سيناريو مشابه قد يعيد الاقتصاد الدولي إلى دوامة جديدة من التقلبات وعدم اليقين.

وحذرت كريستالينا جورجيفا المديرة العامة لصندوق النقد الدولي الاثنين من أن كل ارتفاع في أسعار النفط بنسبة 10 في المئة، إذا استمر طوال معظم العام، ستقابله زيادة في التضخم العالمي بواقع 40 نقطة أساس.

وقالت خلال ندوة في طوكيو “نشهد اختبارا جديدا لقدرة الاقتصاد على الصمود في وجه الصراع الجديد في الشرق الأوسط”. وأضافت “نصيحتي لصناع السياسات في هذا المناخ العالمي الجديد هي أن يفكروا في ما لا يمكن تصوره وأن يستعدوا له”.

ولغاية يناير الماضي، قام الصندوق بمراجعة توقعاته للنمو العالمي بزيادة طفيفة إلى 3.3 في المئة لعام 2026، و3.2 في المئة للعام المقبل.

The post البنوك المركزية أمام اختبار جديد مع تداعيات حرب إيران appeared first on Lebanon Economy.

sama

سما برس "سما برس" هي شبكة إخبارية لبنانية شاملة تُعنى بتقديم الأخبار العاجلة والمتجدّدة من لبنان، والعالم العربي، والعالم. تهدف إلى نقل صورة واقعية ومتوازنة للأحداث من مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، نقدّمه بأسلوب مهني وشفاف. انطلاقًا من بيروت، نسعى لأن نكون صوتًا موثوقًا وصلًا بين المتابعين ومجريات الأحداث، من خلال تغطية حصرية وتحقيقات معمّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى